هي اجتهاد من النبي-عليه الصلاة و السلام- وحرصا منه على أمته، ثم تركها بناء على موقف آخر عندما تبين له حقيقة الأمر عندما قال:""ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"."
و المثال الثالث يتعلق بقول عمر بن الخطاب:"إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله". إن قوله هذا كلام صحيح لا غبار عليه، و قد تضمن أمرين هامين: الأول هو دليل قوي على حب عمر للنبي و شفقته عليه، فعندما رأى أن الوجع قد غلب عليه أشفق عليه مما هو فيه. و الثاني إن عمر فهم أن الرسول-عليه الصلاة و السلام- يُريد أن يُعين من سيكون خليفة من بعده، و بما أن الأمر هكذا، و القرآن الكريم قد حسم أمر الخلافة، و جعله شورى بينهم. فالأمر واضح و سهل، و أن الصحابة سيحسمون أمرهم؛ و من ثم فلا داعٍ لكتابة الوصية، و الرسول يُعاني الوجع الشديد.
و موقفه صحيح شهد له القرآن و الحديث و التاريخ بالصحة. فأما القرآن فقد سبق بيان شهادته، و أما السنة النبوية فتمثلت شهادتها في موقف رسول الله، فقد تراجع عن رأيه عندما كان مع أصحابه، و عندما كان مع عائشة في كامل قواه، فأراد أن يكتب لأبي بكر ثم تركه، و قال:"ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر". و أما شهادة التاريخ فهي شهادة متواترة على أن الصحابة اختلفوا فيمن يتولى الخلافة بعد نبيهم، ثم اتفقوا على بيعة أبي بكر الصديق، و كانت تجربة شورية ناجحة، و كان اختلافهم فيها اختلاف تنوع و إثراء، لا اختلاف تناقض و تناحر، و عليها قامت الخلافة الراشدة بكل مآثرها و أعمالها العظيمة.
و المثال الأخير- الرابع- مفاده أنه عندما اشتد الوجع بالرسول-عليه الصلاة و السلام-،و قال للصحابة الذين كانوا معه في بيته:""ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا"،و تنازعوا فيما بينهم، قالوا: ما له أهجر؟ استفهموه؟" [1] . فواضح من ذلك أنه ليس عمر و لا الصحابة قالوا: هجر، و لا يهجر، و إنما كلهم تساءلوا: أهجر؟، استفهموه؟. و هذا ليس طعنا في الرسولا، و لا عدم اهتمام به، فحاشا أن يصدر ذلك منهم؛ و إنما هو تعجب، و تساءل، و استفهام؟، مما صدر عن الرسول-عليه الصلاة و السلام-. فيبدو أنه صدر منهم ذلك لأمرين: الأول هو أنهم جميعا يعلمون أن أمر الخلافة، ليس لأحد منهم، و إنما هو شورى بينهم كما نصّ على ذلك القرآن الكريم. و الثاني هو أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان مريضا و اشتد عليه الوجع، و يريد أن يكتب لهم وصية تتعلق بمن يستخلفه من بعده!!. فهنا أحسوا بنوع من التناقض و الغرابة بين هذا الوصية و الشورى التي نصّ عليها القرآن من جهة، و بين حالته الصحية و ما عزم عليه من جهة أخرى. و هنا من حقهم أن يستفهموا و يستغربوا ذلك، و لا يصح لومهم، و لا الطعن فيهم.
(1) سبق توثيقه.