فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 181

، فلم يكن في ذلك نزاع ولو استمر على إرادة الكتاب ما قدر أحد أن يمنعه )) [1] . فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب الأخذ به لتفسير قول ابن عباس.

و أما الوجه الثاني، فيحتمل تفسيرا لا يصح القول به، و لا نسبته إلى ابن عباس. و هو أنه وَصَفَ بذلك القول ما فعله النبي-عليه الصلاة و السلام- و موقف الصحابة منه. فهذا باطل جملة و تفصيلا، لأن عدم كتابة الوصية ليست مصيبة في حق الصحابة، و إنما كان خيرا لهم، لهذا تراجع الرسول عن موقفه الأول، و أقره الله تعالى عليه. و لماذا تكون عدم كتابة الوصية مصيبة في حق الصحابة؟، أليس القرآن الكريم قد حسم أمر الخلافة، و جعلها شورى بينهم، و لم يجعلها إمامية شيعية وراثية. أليس العكس هو المصيبة في حقهم؟، لأنه يُبطل ما نصّ عليه القرآن، و يحرم الأمة من ممارسة حقها الشرعي في اختيار من يحكمها. و أليس ذلك القول يعني أن الرسول توفي و لم ينصح لأمته حق النصيحة، و تركها مختلفة، و قد اقره الله تعالى على ذلك!!. و أليس القول بذلك يعني أيضا أن الرسول-صلى الله عليه و سلم- مات ز ترك الدين ناقصا عندما حرم أمته من الوصية التي تجمعها من بعده. و هذا كله باطل شرعا و لا يصح القول به عقلا.

كما أن عدم كتابتها لم يكن رزية في حق الصحابة بعد وفاة النبي-صلى الله عليه و سلم-، نعم إنهم اختلفوا حول من يتولى منهم الخلافة، لكنهم كانوا مجمعين على أن الخلافة شورى بينهم، و ليست إمامية شيعية وراثية في علي و بنيه. فكان اختلافهم هذا تطبيقا عمليا لما شرّعه القرآن الكريم، و أقره رسول الله عندما تراجع عن كتابة تلك الوصية. فكان ذلك الاختلاف تجربة شورية -ديمقراطية بلغة العصر- رائدة ناجحة كُللت ببيعة أبي بكر الصديق خليفة، و تكوين دولة الخلافة الراشدة، التي رفعت لواء الجهاد، و نشرت العدل و الإخاء، و الأمن و الرخاء، و فتخت الأمصار، و قوضت إمبراطوريتي الفرس و الروم. فهل من فعل ذلك، و كان هذا حاله يٌقال فيه: إن عدم كتابة الوصية كان رزية في حقه؟، كلا و ألف كلا. و لا شك أن ابن عباس -رضي الله عنه- لم يكن يقصد بكلامه الوجه الثاني الذي يحتمله قوله، و إنما قصد به الوجه الأول الذي ذكره ابن تيمية. و بذلك تسقط أباطيل و مبالغات، و مغالطات و تدليسات ابن طاووس الحسني، في تضخيمه لقول ابن عباس و طعنه في عمر ابن الخطاب.

و سابعا يجب أن لا يغيب عنا أن الرواية الشيعية وجهت الرواية الرابعة لصالحها بتركيزها على قول عمر و ابن عباس، و توظيفهما توظيفا مذهبيا من جهة، و صرف انتباه القراء عما في الرواية من شواهد و أدلة دامغة ضد الرواية الشيعية نفسها في قولها بالوصية و الإمامة الشيعية من جهة أخرى. من ذلك أن محاولة النبي كتابة الوصية قبيل وفاته، لكي لا يختلف الصحابة من بعده حول الخلافة، تعني أنه لم يكن أوصى لأحد من قبل بالخلافة. و هذا يُبطل مزاعم الرواية الشيعية

(1) منهاج السنة النبوية، حققه رشاد سالم، ط 1، مؤسسة قرطبة، ج 6 ص: 315، 317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت