الفصل الأول
شيوخ التصوف البغدادي و نساؤه في القرن السادس الهجري
شهدت بلاد الاسلام عامة، وبغداد خاصة، في القرن السادس الهجري تزايدًا ملحوظًا في نشاط حركة التصوف. وقد ورد آنفًا ان حركة تصوف الفقهاء و المحدثين و الحفاظ و المقرئين اخذت مداها في القرن السادس، فكان اغلب شيوخ التصوف في هذه الفترة ممن جمعوا بين علوم الشريعة وعلوم التصوف، وانتقل هذا التوجه إلى تلاميذهم.
وقد شهد القرن السادس الهجري تعاصر بعض أشهر شيوخ التصوف في تاريخ الاسلام والذين استمرت شهرتهم إلى وقتنا الحاضر كالشيخ عبد القادر الجيلي، والشيخ احمد الرفاعي، والشيخان السهرورديان ابو النجيب عبد القاهر، وابن اخيه شهاب الدين عمر، وكان من اهم العوامل التي اسهمت في استمرار شهرتهم نشوء تطور لاحق في التصوف تمثل بالطرق الصوفية فكانت من العوامل التي ساعدت على انتشار التصوف واستمراره حتى صبغ التصوف معظم المجتمعات الاسلامية إلى وقت قريب.
ويذكر الشهاب السهروردي (ت 632 هـ) صاحب عوارف المعارف ان
"رتبة المشيخة من أعلى الرتب في طريق الصوفية و نيابة النبوة في الدعوة إلى الله" [1] ،"والشيخ هو الأب معنى"حيث يقول ابو النجيب السهروردي (ت 563 هـ) :"ولدي من سلك طريقي واهتدى بهديي" [2] .
وفيما يتصل بالمؤهلين- أوغير المؤهلين - للمشيخة الصوفية يميز الشهاب السهروردي بين اربعة اصناف من الصالحين، الأول السالك المجرد: وهذا لا يبلغ أهلية المشيخة لبقاء صفات نفسه عليه. والثاني المجذوب المجرد: وهذا ايضًا لا يؤهل للمشيخة لأنه يبادئه الحق بآيات اليقين من غير سلوك. والثالث السالك الذي تدورك بالجذبة: فهذا يؤهل للمشيخة و يصير له اتباع إذ هو الذي كانت بدايته بالمجاهدة و المكابدة ثم خرج إلى روح الحال و فتح له باب من المشاهدة، وصلح للجلوة وصار له في جلوته خلوة فيفترس ولا يُفترس. والرابع المجذوب المتدارك بالسلوك: وهذا المقام الأكمل في المشيخة حيث يبادئه الحق بالكشوف وأنوار اليقين ويرفع عن قلبه الحجب و تجري عليه
(1) السهروردي، شهاب الدين ابو حفص عمر بن محمد بن عبد الله، (ت 632 هـ) . عوارف المعارف، ط 2، (ضبطه وصححه محمد عبد العزيز الخالدي) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 2005. ص 53.
(2) المصدر نفسه، ص 56.