الصفحة 129 من 287

صورة المجاهدة والمعاملة من غير مكابدة وعناء بل بلذاذة وهناء [1] . فهذان الاثنان الأخيران هما المؤهلان للمشيخة، وأحدهما أكمل من الآخر. وربما كانت مرحلة العزلة التي يقضيها الصوفية عادة في خلواتهم هي من دواعي فترة الجذب التي يمرون بها. وهذا ربما يفسر سبب احترام كثير من البغداديين لرجال كان يظهر عليهم البله مثل حميد الزيزي (ت 595 هـ) الذي"كان يعتقد فيه ويظن أنه ولي من أولياء الله تعالي" [2] .

إن من مظاهر استمرار أثر التصوف في المجتمع البغدادي تبدّل أسماء المواضع في بغداد بحيث لا يوجد من الأسماء القديمة شيء سوى ماندر من اسماء المحلات وقسم من اسماء المشاهد والقبور التي حفظتها الأمة وحافظت على مواضعها مثل تربة الجنيد وتربة داود الطائي و تربة الشيخ معروف الكرخي وتربة الشيخ عمر السهروردي و تربة الشيخ عبد القادر الجيلي [3] ،وهؤلاء كلهم من شيوخ التصوف البغدادي، كما صارت محلة باب الحلبة تسمى"باب الشيخ عبد القادر"، ثم"باب الشيخ" [4] ، وفي هذا دلالة أيضًا على أن تواصل الذاكرة الشعبية المتأثرة بشيوخ التصوف البغدادي أمتن من تواصل التسميات الرسمية و أعمق أثرًا.

من اوائل شيوخ التصوف المذكورين في بغداد في القرن السادس الهجري: أبو الفتوح احمد الغزالي [5] (ت 520 هـ) ، أخو حجة الإسلام أبي حامد، كان واعظًا صاحب كرامات و إشارات وكان من الفقهاء إلا أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه، ودرس بالمدرسة النظامية نيابة عن أخيه أبي حامد لما ترك التدريس، واختصر كتاب اخيه إحياء علوم الدين في مجلد سماه لباب الأحياء، وله مصنف آخر سماه الذخيرة في علم البصيرة [6] ، وكتاب آخر بالفارسية بعنوان"سوانح" [7] . وقد وعظ في بغداد في المدرسة التاجية ورباط بهروز وفي دار السلطان محمود [8] ، وبجامع القصر [9] .

وقد كان ابو الفتوح ينزل برباط شيخ الشيوخ في بغداد [10] . وكان الناس يزدحمون على حضور مجالسه في بغداد، وقد دُوّنت مجالسه فبلغت ثلاثة و ثمانين مجلسًا، وكان يدخل القرى و الضياع ويعظ أهل البوادي تقربًا إلى الله [11] .

ومما يلفت الانتباه أن تلميذه عين القضاة الميانجي (ت 525 هـ) حمل إلى بغداد ثم رد إلى همذان وصلب بها، وقد كان الناس يتبركون به وحصل له قبول عند الخاص والعام حتى حُسد فقصده الوزير الدركزيني لمنافسة كانت بينهما فتلقط من تصانيفه ألفاظًا شنيعة"يحتاج في كشفها إلى المراجعة لقائلها،"فكتب جماعة من العلماء بإباحة دمه [12] .

ومن أشهر مشايخ الصوفية في بغداد في بدايات القرن السادس الهجري الشيخ حماد بن مسلم الدباس، ابوعبدالله الرحبي [13] (ت 525 هـ) ، اصله

(1) السهروردي، عوارف المعارف، ص 56 - 57.

(2) انظر: ابن الساعي، أبو طالب علي بن أنجب تاج الدين الخازن، (ت 674 هـ) . الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير، (عني بنسخه ونشره وإصلاح تصحيفه وتعليق حواشيه وعمل فهارسه، مصطفى جواد) ، المطبعة السريانية الكاثوليكية، بغداد، 1934. ص 15.

(3) أنظر: جواد، الدكتور مصطفى، سوسة، الدكتور احمد (1958) . دليل خارطة بغداد المفصل في خطط بغداد قديمًا وحديثًا، المجمع العلمي العراقي، بغداد. ص 242 - 243.

(4) المرجع نفسه، ص 246.

(5) انظر ترجمته في: ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 260. ابن الاثير، الكامل، ج 9، ص 240. سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1، ص 119. ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 1، ص 97. ... ابن الدمياطي، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد، ص 51. ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الامصار، تحقيق بسام محمد بارود)، المجمع الثقافي، أبو ظبي، ج 8، ص 167. الصفدي، الوافي بالوفيات، ط 1، (تحقيق احمد الأرناؤوط، تركي مصطفى) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2000. ج 8، ص 76. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 6، ص 60. الاسنوي، طبقات الشافعية، ج 2، ص 113. ابن كثير، البداية و النهاية، ج 12، ص 242. الجامي، نفحات الأنس، ج 2، ص 520. المناوي، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 649.

(6) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 1، ص 97.

(7) الجامي، نفحات الانس، ج 2، ص 521. شيمل، الابعاد الصوفية في الاسلام، ص 332.

(8) ابن الجوزي، المنتظم، ج 9، ص 260.

(9) ابن الدمياطي، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد، ص 57.

(10) المصدر نفسه، ص 57.

(11) السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 6، ص 60، 62

(12) الحموي، ياقوت، (ت 626 هـ) . معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، ط 1، 7 ج، (تحقيق الدكتور إحسان عباس) ، دار الغرب الاسلامي، بيروت، 1993. ج 4، ص 1550. ابن الفوطي، كمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن احمد، (ت 723 هـ) . تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب، (تحقيق الدكتور مصطفى جواد) ، وزارة الثقافة و الإرشاد القومي، دمشق، 1962 - 1965. ج 4، ق 2، ص 1130 (رقم 1689) . الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 17،

ص 291.

(13) انظر ترجمته في: ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 22. ابن الاثير، الكامل، ج 9، ص 259 - 260. سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1، ص 138. الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 309. الذهبي، تاريخ الإسلام، ج 36، ص 128. العبر في خبر من غبر، ط 1، 4 ج، (تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985. ج 2، ص 425. ... اليافعي، عبد الله بن أسعد، (ت 768 هـ) . مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة مايعتبر من حوادث الزمان، ط 1، 4 ج، (وضع حواشيه خليل المنصور) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997. ج 3، ص 185. ابن كثير، البداية والنهاية، ج 12، ص 251. الجامي، نفحات الأنس، ج 2، ص 682. الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 189. ابن العماد، شذرات الذهب،

ج 6، ص 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت