الصفحة 130 من 287

من رحبة الشام، وسكن بغداد بالمظفرية إلى ان مات بها ودفن في مقبرة الشونيزي [1] ، وكان له معمل للدبس [2] .

سمع الحديث من أبي الفضل بن خيرون وغيره [3] ، وكان أميًا لايكتب [4] . وكان صاحب كرامات، وله اصحاب وتلامذة اشتهروا [5] ، منهم الشيخ عبد القادر الجيلي الذي دخل في صحبته منذ سنة 499 هـ [6] ، و الشيخ ابو النجيب عبد القاهر السهروردي وقد قال عنه انه"أول شيخ فتح الله عليّ ببركته" [7] ، كما صحبه الشيخ عدي بن مسافر الهكاري الذي تُنسب إليه الطائفة العدوية [8] . وقد انتهى إلى الشيخ حماد الدباس رياسة تربية المريدين، وانتمى إليه معظم مشايخ بغداد وصوفيتهم في وقته [9] ، وكان له إثنا عشر ألف مريد [10] . وقد كتب تلامذته واصحابه من كلامه نحوًا من مائة جزء، وكان يتكلم على الاحوال، وعلى آفات الاعمال في المعاملات والرياضات والورع والاخلاص، وزاول أكثر المهن والصنائع في طلب الحلال، وكان مكاشفًا بأكثر الاحوال، يتكلم على الخواطر، مسلوب الاختيار، زيه زي الأغنياء وتارة زيّه زي الفقراء، متلون كيف أدير دار،"وكانت المشايخ إذا جاءت إليه كالميت بين يدي الغاسل، لا يتجاسر الشخص ان يختلج" [11] .

كان الناس ينذرون له النذور فيقبل الاموال، ويفرقها على اصحابه، ثم كره قبول النذور لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن النذر يُستخرج من البخيل"، فصار يأكل بالمنامات يأتيه الرجل فيقول رأيت في المنام اعط حماداّ كذا [12] .

ويذكر أن الشيخ حماد"بقي زمانًا لا يلبس الثوب إلا مستأجرًا، حتى أنه لم يلبس على ملك نفسه شيئًا" [13] .

وقد وصف بأنه كان من الأبدال، و أن الحكايات التي سردت كراماته ترقى إلى مايشبه التواتر [14] . ومن كلام الشيخ حماد الذي ينمّ عن إشارات ومعانٍ صوفية خاصة قوله:"لا توجد هواك في وجودك تكن موحدًا، ولا مرادك في تدبيره تكن فانيًا، ولكن إن دعاك أجب، وإن وعدك توكل، وإن قدر عليك إستسلم، فإن قال لك: إختر، قل: قد فوضت، وإن قال لك: أطلب، قل: قد صدّقت، وإن قال لك: أعبدني، قل: وفقني، وإن قال لك: وحدّني، قل: أجذبني. فإن جاءت المعرفة صارت افعالًا ربّانية وزالت الأكوان وصرت في القبضة صاحب قلب، لايكون لك شيء إلاّ به عز وجل، وماكان به كان له، وماكان بك كان لك. فبالإيمان تشتغل عن اقسام الدنيا لأن فيه تصديقه، وبالعلم تشتغل عن أقسام الأخرى لأن فيه معرفته، وبالمعرفة تشتغل عن الكلّ حيث كنت، لأنه معك من حيث معرفتك على قدرك" [15] .

وقد كان ابن عقيل ينفر الناس عنه، ولما بلغه ان الشيخ حماد يعطي من يشكو إليه الحصى لوزة وزبيبة ليأكلها فيبرأ، بعث إليه ابن عقيل: إن عُدت إلى عمل هذا ضربت عنقك، فكان حماد يقول: ابن عقيل عدوي [16] .

وقد شنع أبو الفرج بن الجوزي على الشيخ حماد فقال انه كان"يدعي"المعرفة والمكاشفة وعلوم الباطن، وقال:"وكان عاريًا من علوم الشريعة، ولم ينفق إلاّ على الجهال" [17] ، إلاّ أن ابن الاثير آخذ ابن الجوزي على موقفه هذا [18] ، كما أن سبط ابن الجوزي، وعلى غير عادته، خالف موقف جده وموقف ابن عقيل، ودفع عن الشيخ حماد ما اتهم به وقال:"ولو لم يكن لحماد من الفضائل التي اتصف بها في زهادته وطريقته ومكاشفته إلاّ أن الشيخ عبد"

(1) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 312.

(2) الذهبي، العبر، ج 2، ص 425.

(3) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 22. سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1، ص 138.

(4) الذهبي، تاريخ الإسلام، ج 36، ص 129. ابن العماد، شذرات الذهب، ج 6، ص 122.

(5) ابن الاثير، الكامل، ج 9، ص 260.

(6) سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1، ص 138. الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 309، 114.

(7) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 312.

(8) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 3، ص 254. الذهبي، تاريخ الإسلام، ج 38، ص 233. العبر، ج 3، ص 28.

(9) الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 189.

(10) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 210.

(11) الذهبي، تاريخ الإسلام، ج 36، ص 129 - 130.

(12) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 22 - 23.

(13) السهروردي، عوارف المعارف، ص 208.

(14) سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1، ص 139.

(15) الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 190.

(16) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 22.

(17) المصدر نفسه، ج 10، ص 22.

(18) أنظر: ابن الأثير، الكامل، ج 9، ص 259 - 260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت