فهرس الكتاب
وقد عرف عن بعض تلاميذ الشيخ عبد القادر انهم نشروا التصوف القادري في بلاد بعينها، وكانوا يدعون الناس هناك للانتماء إلى الشيخ عبد القادر ولبس خرقته، منهم الشيخ أبوالحسن علي بن إبراهيم بن الحداد اليمني الذي دعا أهل اليمن إلى الانتماء إلى الشيخ عبد القادر [1] ، والشيخ ابو عبد الله محمد البطائحي نزيل بعلبك الذي ألبس مشايخ الشام الخرقة القادرية وكان أشهر من لبس منه الشيخ أبو محمد عبد الله بن عثمان اليونيني المعروف بأسد الشام [2] ، وقام الشيخ بديع الدين أبو القاسم خلف بن عياش الشارعي الشافعي بنشر التصوف القادري في مصر بعد أن درس على الشيخ عبد القادر ببغداد،"و ألبس أعيان أهلها [أي مصر] يومئذ الخرقة القادرية"، وقد كان الشارعي"من العلماء الصلحاء المحدثين" [3] ، وكان شافعيًا أخذ عن الجيلي وهو حنبلي مما يؤكد مرة أخرى أنه عند الصوفية تتلاشى الفوارق المذهبية الموجودة عند غيرهم آنذاك.
ونظرًا لأهمية تنامي تيار تصوف الفقهاء آنذاك، وازدهار وانتشار حركة التصوف في البلاد و المجتمعات الاسلامية، تغدو الاشارة إلى تراجم بعض مشاهير تلاميذ الشيخ عبد القادر الجيلي ودورهم في التصوف أمرًا لا مندوحة عنه.
فممن انتمى إلى الجيلي الشيخ ابو عمرو عثمان بن مرزوق القرشي [4] (ت 564 هـ) الفقيه العارف الزاهد نزيل الديار المصرية، وقد افتى بها على مذهب ابن حنبل ودرس وناظر وتكلم على المعارف والحقائق، وانتهت إليه تربية المريدين بمصر وانتمى إليه ناس كثيرون من الصلحاء، وحصل له قبول تام من الخاص والعام، وكان له كرامات واحوال ومقامات وكلام حسن على لسان أهل الطريقة، وكان من"أوتاد مصر" [5] التقى بالشيخ عبد القادر الجيلي في الحج على عرفة، ولبس هو والشيخ أبو مدين [6] من الشيخ عبد القادر"خرقة بركة"، وسمعا عليه جزءًا من مروياته، وجلسا بين يديه [7] . وقد كانت الناس بمصر تستنجد به إذا زاد النيل إلى حد الغرق أو نقص عن حد الري [8] ،وفي هذا دلالة على كراماته
و مكانته عند الناس. ويذكر عن الشيخ علي بن نجا انه روى عن القرشي كرامة مفادها إنباؤه عن تملك أسد الدين شيركوه مصر في ثالث مرة يقدمها فجرى الأمر كما ذكر [9] . ومن كلامه في المعارف قوله:"من عرف نفسه لم يغتر بثناء الناس عليه" [10] . ومن شعره الصوفي الذي كثر اقتباسه لدى الصوفية:
ذكرتك لا أني نسيتك لمحة ... و أيسر ما في الذكر ذكر لساني
وكدت بلا وجد أموت من الهوى ... وهام عليّ القلب بالخفقان
فلما أراني الوجد أنك حاضري ... شهدتك موجودًا بكل مكان
فخاطبت موجودًا بغير تكلم ... ولاحظت معلومًا بغير عياني [11]
ويبدو أن الفقيه إذا كان صوفيًا ذا كرامات ظاهرة وكلمات هادية يصبح قدوة في المجتمع يقتدى الناس به ويتمثلون اقواله وأشعاره، وهذا الأثر للصوفية في مجتمعاتهم كان واضحًا آنذاك، ولكن القرشي وضع ضوابط للاقتداء بالصالحين فقال محذرًا"وإياكم و محاكاة أصحاب الاحوال قبل إحكام الطريق وتمكن الاقدام فإنها تقطع بكم" [12] .
ومن تلاميذ الشيخ عبد القادر الفقهاء الصوفية الذين كان لهم شأن عند نور الدين زنكي، حامد بن محمود بن حامد الحرّاني، تقي الدين المعروف بابن ابي الحجر [13] (ت 570 هـ) ، شيخ حرّان وخطيبها ومُفتيهًا ومدرسها، رحل
(1) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 232.
(2) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 233.
(3) المصدر نفسه، ص 147 - 148. التادفي، قلائد الجواهر، ص 81.
(4) انظر ترجمته في: الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 377 - 385، 225. ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1، ص 306 - 311 (الرقم 139) .
(5) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 377 - 380. ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1،
ص 306 - 307.
(6) سيأتي ذكره لاحقًا في هذا الفصل.
(7) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 255. ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1، ص 306.
(8) ابن رجب، الذيل، ج 1، ص 308.
(9) المصدر نفسه، ج 1، ص 308.
(10) المصدر نفسه، ج 1، ص 307.
(11) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 384.
(12) ابن رجب، الذيل، ج 1، ص 307.
(13) انظر ترجمته في: ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1، ص 332 - 334 (الرقم 153) . ... ابن العماد، شذرات الذهب، ج 6، ص 392. عباس، الدكتور إحسان، (1988) . شذرات من كتب مفقودة من التاريخ. 2 ج، (ج 1، ط 1) ، (ج 2، ط 3) . بيروت: دار الغرب الإسلامي.= ... =ج 1، ص 182، (ذكر في كتاب الاستسعاد بمن لقيته من صالحي العباد في البلاد لأبي الفرج ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم الانصاري المعروف بابن الحنبلي(ت 634هـ)