فهرس الكتاب
المشايخ الكبار" [1] ، وفي هذين الخبرين تأكيد للتوجه الصوفي لدى الفقهاء آنذاك، ودور الشيخ عبد القادر في تنشيطه. ويذكر"أن جمهور شيوخ اليمن يرجعون في لبس الخرقة إليه [أي الشيخ عبد القادر] ، بعضهم لبسها من يده لما قدمت أعلام فضائله عليهم، والأكثرون من رسول أرسله إليهم" [2] ، ويستدل من ذلك على انتشار التصوف وطريقة نشره إذ كان الشيخ يرسل رسلًا إلى البلاد لينشروا الطريقة ويلبسوا الخرقة القادرية أو كان الناس يقصدونه في بغداد ليلبسوا الخرقة من يده."
و يبدو أن الخرقة القادرية كان يُلبسها الآباء للأبناء خلفًا عن سلف، فيذكر عن جماعات من رجال التصوف أنهم"أخذوا له [أي للشيخ عبد القادر] الخرقة خلفًا عن سلف" [3] ، ويذكر عن بعض مشاهير المقادسة كالحافظ عبد الغني المقدسي و الموفق ابن قدامة المقدسي وغيرهما أنه"من أدركه [أي الشيخ عبد القادر] منهم واجتمع به فقد أخذ عنه، ومن لم يجتمع به منهم فأخذ عمن أخذ عنه خلفًا بعد سلف" [4] . إن طبيعة هذا الانتقال لخرقة التصوف القادرية كان لها أثر في صبغ كثير من العائلات و الأسر بصبغة التصوف حتى كاد ان يكون ذلك وراثيًا، فلم يعد التصوف شأنًا فرديًا كما كان قبل ذلك، وهذا أسهم لاحقًا في التأسيس لقيام ما عرف باسم"الطرق الصوفية"بمعناها الذي راج لاحقًا في بلاد الاسلام عامة، حتى صارت عائلات و أسر بأكملها تتسمى باسم الصوفي المؤسس الجيلي - أو الجيلاني أو الكيلاني- والرفاعي والسهروردي وغيرهم، دون أن يكون لهم انتساب حقيقي إلى البلد، جيلان أو سهرورد مثلًا، أو إلى ذرية الشيخ، وإنما الانتساب إلى الطريقة الصوفية، وهذا لا يعني أنه لم يكن هناك من ذرياتهم صليبة من يحمل الاسم، وإنما يعني أن النسبة لم تعد مقصورة على البلد أو الذرية و إنما تعدتهما إلى النسبة إلى طريقة الشيخ المؤسس، ويعبر الشطنوفي عن هذه النسبة الأخيرة بلفظة"انتسب إليه"تمييزًا عن لفظة"انتمى إليه"، بحيث يُفهم ان الانتماء هو سير في طريقة الشيخ، اما الانتساب فهو التسمي بها [5] .
(1) ابن العماد، شذرات الذهب، ج 6، ص 332.
(2) اليافعي، مرآة الجنان، 3،268. ابن العماد، شذرات الذهب، ج 6، ص 332.
(3) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 230.
(4) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 236.
(5) قارن على سبيل المثال قول الشطنوفي"كلهم انتموا إلى الشيخ محي الدين عبد القادر"، وقوله"تفقه عليه واخذ عنه وانتسب إليه"الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 230، 233 على التوالي.