فهرس الكتاب
تابع اكثرهم طريق الشيخ عبد القادر في الفقه و التصوف فكان منهم محدثون وفقهاء ومفتون ومدرسون وقضاة، وكانوا كلهم حنابلة. وقد كان ارتحال بعض أبناء الشيخ عبد القادر إلى خارج بغداد، واستيطانهم وتناسلهم حيث استقروا، من العوامل التي ساهمت في انتشار التصوف خارج بغداد كالجبال وبلاد الجزيرة و الشام ومصر، ومهد لتطور لاحق تمثل في نشوء الطريقة القادرية. وكان تصوف ابناء الشيخ عبد القادر وأحفاده تصوف الفقهاء وهو التيار الذي تنامى في تلك الفترة، وقد شارك بعض أولاده بالغزو ضد الفرنجة كابنه عبد العزيز، كما أسهموا أيضًا في حركة التأليف في موضوع التصوف، ومنهم من كان سفيرًا للخليفة، ومنهم من ولي الأربطة الصوفية في بغداد. ومما يلفت الانتباه أنه لم يل قضاء القضاة من الحنابلة أحد سوى نصر حفيد الشيخ عبد القادر، قال ابن رجب الحنبلي المتوفى في نهاية القرن الثامن الهجري:"ولا أعلم أحدًا من اصحابنا دُعي بقاضي القضاة قبله، ولا استقل منهم بولاية قاضي القضاة بمصر غيره" [1] ، وفي هذا دلالة على ان التصوف قد صار معترفًا به رسميًا إلى الحد الذي أصبح عنده الصوفي قاضي قضاة في حاضرة الاسلام، وهو حنبلي على غير ما جرت عليه العادة.
لقد ازدهرت حركة تصوف الفقهاء عامة و الحنابلة خاصة في بغداد على يد الشيخ عبد القادر الجيلي وتلاميذه الأمر الذي كان من شأنه ان يلطف الخلاف بين الحنابلة وغيرهم من المذاهب الأخرى، فكان تصوف الجميع عامل تلطيف للخلافات المذهبية التي بلغت قبل ذلك حدًا كاد يهدد استقرار المجتمع البغدادي.
أما تلاميذ الشيخ عبد القادر فهم أكثر من أن يستوعبوا في بحث واحد، وقد انتشروا في بغداد وغيرها من بلاد الاسلام على نحو يخرج هذا البحث عن حدوده لو أريد ذكرهم [2] . ومع ذلك فإن ذكر بعض أشهر تلاميذه من شأنه ان يعطي فكرة عن استمرارية تأثير الجيلي في حركة التصوف وانتشارها والدور الذي قام به تلاميذه من بعده في بغداد في الفترة محل البحث.
لقد انتمى إلى الشيخ عبد القادر (اعداد كبيرة من العلماء و الفقهاء) [3] ، حيث قال ابن العماد أنه"تتلمذ له اكثر الفقهاء في زمنه، ولبس منه الخرقة"
(1) ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 2، ص 191.
(2) للاطلاع على اسماء اشهر تلاميذه في علمي الشريعة والتصوف انظر: الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص9 - 11، 225 - 241.
(3) الشطنوفي، بهجة الأسرار، ص 225. اليافعي، مرآة الجنان، ج 3، ص 267.