الصفحة 178 من 287

بالأعاجم" [1] ."

بالرغم من ذلك بقيت شعبية أبي النجيب كبيرة في المجتمع البغدادي، فقد كان له أتباع وصلح بسببه أمة صاروا سرجًا في البلاد و أئمة هدى" [2] ."

وفي سنة 558 هـ قدم ابو النجيب السهرودي إلى دمشق قاصدًا زيارة بيت المقدس لكنه لم يتمكن من الزيارة"لانفساخ الهدنة بين المسلمين والعدو"، فأكرمه نور الدين زنكي واحترمه، واقام بدمشق فترة وجيزة عقد خلالها المجلس ثم رجع إلى بغداد [3] . وتكمن أهمية هذا اللقاء في ندرة مثيلاته، فنادرًا ما تذكر المصادر لقاءً بين نور الدين وأحد مشاهير متصوفة بغداد، ومع ذلك لا تكاد المصادر تذكر شيئًا عما جرى بينهما في هذا اللقاء.

قال ابن الدبيثي عن ابي النجيب السهروردي:"حدثنا عنه جماعة ووصفوه بما يطول شرحه من العلم والحلم والمداراة و السماحة" [4] . ومن مصنفات أبي النجيب في التصوف كتاب"آداب المريدين" [5] . ويذكر الشهاب السهروردي في عوارف المعارف عن عمه ابي النجيب انه كان"لا يتقيد بهيئة من الملبوس بل كان يلبس ما يتفق من غير تعمد تكلف واختيار، وقد كان يلبس العمامة بعشرة دنانير ويلبس العمامة بدانق" [6] ،بينما تذكر بعض المصادر الأخرى ان ابا النجيب كان"يتطيلس، ويلبس لباس العلماء، ويركب البغلة ويرفع بين يديه الغاشية" [7] .

إن هذا اللباس المخصوص بالعلماء يشعر بمكانتهم الرسمية، فأبو النجيب كان استاذ النظامية لفترة، ولكن لا يوجد ما يؤكد ان هذا اللباس كان مقصورًا على الرسميين من العلماء، فالشيخ عبد القادر الجيلي كان يلبسه ولا يعلم عنه أي مكانة رسمية إلا إذا اعتبرت الخلعة التي خلعها عليه الخليفة لها صلة بهذا اللباس.

توفي ابو النجيب سنة 563 هـ، أي بعد الشيخ عبد القادر بسنتين، ودفن بمدرسته [8] وذكر ابن خلكان انه دفن برباطه [9] .

إن ترجمة رجل شهير كأبي النجيب السهروردي تبرز كغيرها من ترجمات أهم سمات حركة التصوف في القرن السادس الهجري، فأبو النجيب ليس ببغدادي المولد ومثله كثر، وإن كان استوطن بغداد حتى آخر عمره، فبغداد، حاضرة الاسلام، كانت بمثابة قطب جذب لرجال التصوف من مختلف بلاد الاسلام، كما كانت تجتذب غيرهم من الفئات الاجتماعية الأخرى. ونظرًا لكونه فقيهًا شافعيًا - وربما أيضًا لكونه غير بغدادي المولد - اتصل به السلطان السلجوقي مسعود الأمر الذي أدى إلى توليه المدرسة النظامية ببغداد والموقوفة على الشافعية.

كذلك يتمثل في ترجمة أبي النجيب التيار الذي نما بقوة في القرن السادس الهجري، اي تيار تصوف الفقهاء، وتؤكد ترجمته منحىً في التصوف سار فيه أكثر صوفية القرن ويتمثل في أن الانقطاع إلى الخلوة و العزلة لا يكون في الغالب إلاّ بعد التفقه في الدين، ثم كانوا يعودون من انقطاعهم إلى الناس ليدعوهم إلى الله عبر طريق التصوف، فينفعون بذلك مجتمعاتهم بثمرات مجاهداتهم وكشوفهم. ... وقد تمثل نفعهم عمليًا بتوبة أعداد كبيرة من الناس من مختلف الفئات على أيديهم، وهذا منحىً خلقي اجتماعي اسهم فيه صوفية الفترة بقوة.

ابرزت ترجمة ابي النجيب أيضًا رواج ظاهرة هامة في ذلك القرن وهي ظاهرة بناء الرباط الصوفي إلى جانب المدرسة التي تدرس علوم الشريعة، وهو أمر ما كان ليحدث لولا أن شيوخ التصوف البغدادي آنذاك كانوا فقهاء. لقد كان الرباط المبني إلى جانب المدرسة أحد أبرز مظاهر التلازم المؤسسي آنذاك بين التصوف و الفقه.

كما يستنتج من ترجمته أن الوعظ في المدرسة والرباط والجامع ومجالس بعض الخاصة كان من مظاهر التدين واسعة الانتشار في المجتمع آنذاك، ومن دلالات شهرة رجال التصوف في البلاد انه كانت تعقد لهم مجالس الوعظ في كل مكان كانوا يقصدونه خارج بغداد كما حصل مع أبي النجيب في

(1) سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، ج 8، ق 1، ص 212.

(2) الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 39، ص 166.

(3) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 36، ص 412. الحموي، معجم البلدان، ج 3، ص 290. ابن خلكان، وفيات الاعيان، ج 3، ص 204 - 205.

(4) الذهبي، المختصر المحتاج إليه، ص 279.

(5) انظر مخطوط الكتاب الذي طبعته المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، بتحقيق طه عبد الرؤوف سعد، سنة 2002 م أو بعدها.

(6) السهروردي، عوارف المعارف، ص 208.

(7) اليافعي، مرآة الجنان، ج 3، ص 280. الشعراني، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 196. ابن العماد، شذرات الذهب، ج 6، ص 346.

(8) ابن الجوزي، المنتظم، ج 10، ص 225.

(9) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 3، ص 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت