الفصل الثاني
مؤسسات الصوفية في بغداد في القرن السادس الهجري
إذا كان تصوف الفقهاء ليس بالأمر الجديد على التصوف فإنه أخذ مداه في القرن السادس الهجري، وقد عُبّر عنه بظاهرة غير مسبوقة في تاريخ التصوف تنم عن عودة التقاء التيارين وهي ظاهرة بناء الربط إلى جانب المدارس، وهو تعبير مؤسسي عن ظاهرة اجتماعية وثقافية.
وتبين من الفصل السابق ايضًا أن المؤسسة الرسمية ببغداد اعترفت بالتصوف بوصفه فرعًا مقبولًا من فروع علوم الدين.
وقد ترافق اضمحلال الدولة البويهية ودخول السلاجقة إلى بغداد مع بدء خروج التصوف إلى العلن بعد ان كان مبتعدًا عن ساحة الأحداث.
ولوحظ تراجع حدة الموقف الحنبلي الرافض للتصوف، وذلك بتأثير فقهاء متصوفة من الحنابلة كالجيلي وغير حنابلة قاموا بانتشال التصوف من بين براثن الخصومة بين الاشاعرة - الذين وجدوا سندًا قويًا من الوزير السلجوقي نظام الملك - و الحنابلة.
وفي ظل رعاية الدولة نشأ في بغداد - وغيرها - عدد من المؤسسات الصوفية التى كان من شأنها الانتقال بجانب من جوانب التصوف - بما هو حركة شعبية - إلى مؤسسات شعبية وشبه رسمية شكلت مع مرور الوقت حلقة وصل بين المؤسسة الرسمية و التصوف.
ومن هذه المؤسسات: الربط والزوايا الصوفية، و مؤسسة شيخ الشيوخ، والمدارس التي انشأها بعض شيوخ التصوف ببغداد بجانب ربطهم، وخزائن الكتب التي احتوت عليها تلك الربط، والطرق الصوفية بما هي تطور حادث وإن كان متأخرًا في حركة التصوف والتي زرعت بذورها في القرن السادس الهجري ببغداد، واخيرًا هناك العلاقة المحورية و المستمرة بين الشيخ والمريد بما هي علاقة في صميم حركة التصوف والتي من خلالها استمر التصوف و انتشر في القرون التالية.
إن إحتواء جانب من التصوف - بما هو حركة شعبية - ضمن مؤسسات رسمية او شبه رسمية أسهم في تمكين الدولة من التأثير على تلك الجوانب من