التصوف و توجيهها لخدمة المقاصد السياسية للمؤسسة الرسمية، فحسبما يقول ترمنغهام فإن"المؤسسة institution هي وسيلة سيطرة" [1] .
لقد سعى الباحث إلى معالجة حركة التصوف من حيث انطواؤها على معالم استمرار ومعالم تطور وتغير، وقد تمثلت معالم الاستمرار اكثر ما تمثلت في الخطاب الصوفي عامة - والتي سيأتي البحث عليها في الفصل التالي - كما تمثلت في العلاقة المحورية بين الشيخ و المريد، ولذلك اعتمد الباحث أقوال قدماء الصوفية بقدر اعتماده أقوال متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري دون كبير تمييز بينهم وذلك بهدف بسط مضامين تلك العلاقة.
أما معالم التطور و التغير في التصوف البغدادي في القرن السادس الهجري فتمثلت في نشوء الربط و الزوايا ورعاية الدولة لعدد كبير منها رغم بقاء قسم منها بعيدًا عن سيطرة الدولة إذ بادر إلى إنشائه أفراد من الصوفية استقلوا بربطهم وتلاميذهم، وكانت مؤسسة شيخ الشيوخ معلمًا من معالم التطور الحادث في حركة التصوف وكان للدولة أكبر الدور في إحداثها. وتعتبر الطرق الصوفية، التي نشأت بعد القرن السادس الهجري، معلمًا آخر من معالم التطور الحادث في حركة التصوف، وهو تطور وجدت بذوره في القرن السادس ببغداد، واستمر بعد ذلك حتى كادت الطرق الصوفية ان تكون الحامل الوحيد للتصوف في تاريخ الاسلام.
لقد أسهمت ملامح التطور هذه في نقل التصوف من حالته الشعبية إلى حالة مؤسسية لها نظامها و ضوابطها. فما كان للمؤسسة الرسمية ان تنشئ الربط و تنفق عليها الأموال إلا بعد ان ثبت نجاحها شعبيًا [2] .
وهنا تبرز إشكالية مفادها ان التصوف يتميز عن غيره من فروع الدين بأنه يقوم على الذوق والوجدان، وهو أمر روحي فردي، فكيف يمكن احتواؤه في مؤسسة، رسمية كانت أو مدنية؟ ولذلك لم يجد الباحث محيصًا عن التمييز بين جوانب التصوف التي نحت بها الدولة منحىً رسميًا وبين تلك الجوانب التي استمرت مستقلة عن الجهات الرسمية، وهي الجوانب التي استمرت بوصفها مكونًا من مكونات الأمة، بينما طرأ على الجوانب الرسمية من التصوف حالات
(2) مقدسي، نشأة الكليات، ص 36.