الصفحة 206 من 287

من التطور انتهت ببعضها إلى الجمود وربما الاندثار كالخانقاه مثلًا التي افسحت الطريق للتكية في العصر العثماني.

إن الأساس الذي قام عليه المنحى الرسمي في المؤسسة الصوفية في القرن الخامس، وبشكل أوضح في القرن السادس الهجري، هو الوقف. قال ابن تيمية:"وأحدثت المدارس لأهل العلم، و أحدثت الربط و الخوانق لأهل التعبد، وأظن مبدأ انتشار ذلك في دولة السلاجقة، فأول ما بنيت المدارس والرباطات للمساكين ووقفت عليها وقوف تجري على أهلها في وزارة نظام الملك، وأما قبل ذلك فقد وجد ذكر المدارس وذكر الربط، لكن ما أظن كان موقوفًا عليها لأهلها، وإنما كانت مساكن مختصة" [1] . والوقف"هو حبس العين و تسبيل ثمرتها ... فلا يتصرف فيها بالبيع والرهن والهبة، ولا تنتقل بالميراث، وصرف منفعتها لجهات الوقف على مقتضى شروط الواقف" [2] . ويؤكد الدوري أن"مؤسسات التعليم قبل المدرسة [كانت] أهلية، في المساجد و الكتاتيب ودور العلم والمكتبات والربط والزوايا ويعتمد اكثرها على الهبات وخصص لبعضها الاوقاف. واستندت المدارس اساسًا إلى الأوقاف المخصصة لها منذ البداية" [3] ، وهذا ينطبق أيضًا على الربط الصوفية التي انشئت بمبادرة من الخليفة أو السلطان أوممن حولهما في القرن السادس الهجري.

فبعد أن كان كثير من الصوفية يعتاشون على ما يسمونه"الفتوح"وهي صدقات تطوع غير مرتبطة بوقت معلوم، صار كثير منهم يعتاش على أوقاف ثابتة وذلك في القرن السادس الهجري خاصة [4] ، ومعلوم ان الوقف أصلًا صدقة جارية، و تتميز بالاستمرار و الدوام رغم تبدل الأوضاع وتقلب الأحوال [5] ، وبذلك أسهمت الوقوف على الربط و الزوايا الصوفية في استقرار كثير من الصوفية في الربط، كما أسهمت في استمرارية الربط نفسها. ان هذا الاستقرار والاستمرار مهدا للتطور اللاحق في حركة التصوف والمتمثل بظهور الطرق الصوفية. إن ثبات المصدر المالي المتمثل في الوقف عمل على مأسسة التصوف في الربط الصوفية، ولكنه من ناحية أخرى مكن الخليفة في بغداد من ممارسة نوع من السيطرة على الربط التي أوقفت عليها الاوقاف وبالتالي على شيوخها المقيمين فيها من الصوفية. ففي سنة 630هـ رُدّ النظر في أوقاف الربط الصوفية وغيرها من المؤسسات في بغداد إلى مشرف الديوان وكُفّت أيدي نواب قاضي القضاة عنها [6] .

إن الانتقال من الاعتماد على الفتوح إلى الاعتماد على الوقف لدى الربط الصوفية هو الذي ميّز صوفية الربط في بغداد في القرن السادس الهجري عمن قبلهم من الصوفية، وعن الصوفية الذين لم ينخرطوا في الربط.

و من أبرز مميزات حركة التصوف ببغداد في القرن السادس الهجري، ظاهرة بناء الرباط إلى جانب المدرسة، ومما يدل على وضوح هذه الظاهرة أنها لفتت انتباه أحد مشاهير المؤرخين البغداديين، علي بن أنجب بن الساعي (ت674هـ) ، فصنف كتابًا في"أخبار الربط و المدارس" [7] .

لقد كان إنشاء الربط إلى جانب المدارس مظهرًا مؤسسيًا لتصوف الفقهاء، فطالما نادى الشيخ عبد القادر الجيلي تلاميذه بقوله"تفقه ثم اعتزل".

ومن أشهر الفقهاء المتصوفين الذين انشأوا رباطًا ومدرسة الشيخ عبد القادر الجيلي، والشيخ ابو النجيب عبد القاهر السهروردي، فكلاهما جمع بين علمي الشريعة والحقيقة [8] . كما أنشأ فخر الدولة ابو المظفر بن الحسن بن هبة الله بن المطلب (ت578هـ) مدرسة ورباطًا ببغداد عند عقد المصطنع [9] ، وأنشأ ثقة الدولة ابن الأنباري علي بن محمد الدريني (ت549 هـ) مدرسة للشافعية بباب الأزج وإلى جانبها رباطًا للصوفية وأوقف عليهما وقوفًا حسنة [10] ، وبنى الناصر لدين الله رباط الأخلاطية و التربة و المدرسة إلى جانبهما [11] . لقد كان

(1) ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس احمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي، (ت 728 هـ) . الخلافة والملك، ط2، (تحقيق حماد سلامة) ، مكتبة المنار، الزرقاء - الأردن، 1994. ص 47.

(2) الدوري، عبد العزيز، (1997) . دور الوقف في التنمية. مجلة المستقبل العربي، السنة 20 (221) ، 4 - 26.

(3) المرجع نفسه، ص 10.

(4) انظر: شيمل، الأبعاد الصوفية، ص 263.

(5) الدوري، دور الوقف في التنمية، ص 9، 26.

(6) مجهول، الحوادث، ص 67 - 68.

(7) حاجي خليفة، (ت 1067 هـ) . كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، 2 ج، (عني بتصحيحه وطبعه وتعليق حواشيه محمد شرف الدين يالتقايا، والمعلم رفعت بيلكه الكليسي) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د. ت.) . ج 1، ص 27.

(8) للتوسع: انظر ترجمتهما في الفصل السابق ص 83، 115 على التوالي.

(9) ابن الاثير، الكامل، ج 10، ص 118.

(10) الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 22، ص 96.

(11) مصطفى جواد، دليل خارطة بغداد المفصل، ص 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت