ويبدو ان الخلافة العباسية كانت تسعى إلى استقطاب شيوخ التصوف بطريق غير مباشر وذلك عبر الصدقات و العطايا التي كان يقدمها خدم دار الخلافة.
زاوية ابي العز الخباز، علي بن سليمان (ت 656هـ) :
كان له اتباع ومريدون، وكان المستنصر بالله يزوره ويرسل من يأتيه من خبزه
فيستشفي به [1] .
يتبين مما سبق الملاحظات التالية:
كانت الزوايا والربط تبنى تحت ضغط تزايد أعداد اتباع شيوخ التصوف. ولم يقتصر بناء الربط على أهل مذهب فقهي دون آخر، فقد بناها صوفية فقهاء من الحنابلة ومن الشافعية على حد سواء. ويلاحظ بجلاء تزايد أعداد الربط و الزوايا المنشأة في القرن السادس الهجري في بغداد على نحو غير مسبوق في تاريخ التصوف، وفي ذلك دلالة على مدى شيوع تيار التصوف في صفوف المجتمع البغدادي. وتبدو ظاهرة تصوف الفقهاء جلية من خلال ظاهرة بناء الرباط إلى جانب المدرسة، وهو أيضًا أمر غير مسبوق في تاريخ التصوف، حتى كانت بعض الربط تدرس فيها العلوم الشرعية و التصوف على حد سواء. و شاركت النساء في مشيخة بعض الربط المختصة بهن، الأمر الذي يؤكد عمق تيار التصوف في المجتمع البغدادي آنذاك. وقد ساهمت بعض الربط في المجهود ضد الغزو الفرنجي وذلك ضمن نطاق مهمتها العلمية. ويبدو أن بعض الربط التي كان لها أوقاف آل النظر فيها إلى الدولة مع مرور الوقت. وقد سعت الخلافة العباسية لاستقطاب شيوخ الربط لما لهم من كثرة أتباع ولما لذلك من أهمية في ترسيخ شرعية الخلافة في المجتمع البغدادي. كما أشارت بعض الأخبار إلى دور تأديبي كانت تقوم به الربط تجاه بعض رجال الدولة الذين عرف عنهم الظلم في ولاياتهم.
لقد أصبح التصوف في القرن السادس الهجري عنصرًا من عناصر المجتمع البغدادي ومكونًا رئيسًا من مكونات شخصيته، له احترامه ومكانته بعد أن كان منعزلًا و مُشككًا به فيما مضى. وأدركت السلطة أن تيار التصوف الشعبي له من عمق التأثير في المجتمع ما لا يمكن إغفاله، بل ربما كان بديلًا
(1) ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 2، ص 263 - 264.