وقد أوجب ابو النجيب السهروردي على المريد أن لا يخلو ظاهره من الأوراد وباطنه من الإرادات إلى ان ترد عليه الواردات فحينئذ يكون مع الواردات لا مع الأوراد ولا مع الإرادات، وقد ذكر عن الشبلي ان جماعة من المريدين حضروا عنده فوجدهم في غفلة لايذكرون مسألة فأنشد:
كفى حزنًا بالواله الصّبّ أن يرى ... منازل من يهوى معطّلة قفرا [1]
وعلى المريد أن يطالب نفسه بالتدرج بالمقامات، فلا ينتقل من مقام إلا بعد تصحيح آدابه إلى أن تصير المعاملات إلى القلوب، فعندها يشتغل بعمارة الباطن ومباشرة الاحوال ومراعاة الاسرار وعدّ الانفاس، كما قيل: عبادة الفقير نفي الخواطر [2] .
قال النجيب: ويكره للمريد مفارقة استاذه قبل انفتاح عين قلبه [3] . وهذا يدخل ضمن مايسمونه أوان الارتضاع وأوان الفطام [4] .
قال الشيخ عبد القادر الجيلي:"فإذا بلغ المريد حالة شيخه أفرد عن شيخه وقطع عنه، فيتولاه الحق عز وجل، فيفطمه عن الخلق جملة، فيكون الشيخ كالظئر والداية، لا رضاع بعد حولين، ولا خلق بعد زوال الهوى والإرادة. الشيخ يُحتاج إليه مادام ثم هوى وإرادة لكسرهما، وأما بعد زوالهما فلا، لأنه لا كدورة ولا نقصان. فإذا وصلت إلى الحق عز وجل على ما بينا فكن آمنًا أبدًا من سواه عز وجل، فلا ترى لغيره وجودًا البتة، لا في الضرّ ولا في النفع ولا في العطاء ولا في المنع"، ويفصل الشيخ معنى الوصول إلى الله فيقول انه"خروجك عن الخلق والهوى والإرادة والمنى، والثبوت مع فعله ومن غير أن يكون منك حركة ... بل بحكمه وأمره وفعله، فهي حالة الفناء يعبّر عنها بالوصول" [5] ، وعند ذلك ربما حُرّم على المريد المرور إلى الشيخ إلا بأمر صريح،"كل ذلك حفظًا للحال، فالاحوال تفرق بين الشيخ والمريد الذي وصل، لأنها قدر، والقدر غيب" [6] .
وبعد، فقد تبين من كل ما سبق تميُّز الصوفية بمنهج تربوي عمليّ يقوم
(1) السهروردي، آداب المريدين، 48 - 49.
(2) المصدر نفسه، ص 48.
(3) السهروردي، آدب المريدين، ص 50.
(4) السهروردي، عوارف المعارف، ص 62.
(5) الجيلاني، محي الدين عبد القادر بن موسى، (ت 561 هـ) . فتوح الغيب، المكتبة الازهرية للتراث، القاهرة، 2004. ص 30 - 31.
(6) الجيلاني، الغنية، ص 449.