ومعنى الخرقة القطعة أو المزقة من الثياب، وكانت تتألف الخرقة أصلًا من مزقٍ مرقعة، وكانت ذات لون أزرق [1] . قال صاحب العوارف:"ففي الخرقة معنى المبايعة، والخرقة عتبة الدخول في الصحبة، والمقصود الكلي هو الصحبة، وبالصحبة يُرجى للمريد كل خير"، فإذا دخل المريد تحت حكم الشيخ وصحبه"يسري من باطن الشيخ حال إلى باطن المريد كسراج يقتبس من سراج، وكلام الشيخ يلقح باطن المريد، ويكون كلام الشيخ مستودع نفائس الحال ... ثم لايزال المريد مع الشيخ كذلك متأدبًا بترك الاختيار حتى يرتقي من ترك الاختيار مع الشيخ إلى ترك الاختيار مع الله تعالى" [2] ، ويأخذ الشيخ على المريد عهد الوفاء بشرائط الخرقة ويعرفه حقوقها،"وللشيخ باب مفتوح من المكالمة والمحادثة في النوم واليقظة" [3] .
"والخرقة خرقتان: خرقة الإرادة وخرقة التبرك .... فخرقة الإرادة للمريد الحقيقي، وخرقة التبرك للمتشبه ... وللشيخ إشراف على البواطن وتنوع الاستعدادات، فيأمر كل مريد من أمر معاشه ومعاده بما يصلح له" [4] .
وللخرقة إسناد هو بمثابة سلسلة الشيوخ الذين لبسوها وألبسوها، و السلسلة والخرقة عند الصوفية بمثابة الإسناد والإجازة عند شيوخ العلوم الشرعية [5] . ويذكر عن الشيخ عبد القادر الجيلي انه كان يكتب إسناد خرقته لمن يلبسه إياها [6] .
وقد عرفت الخرق بأسماء أخرى كالمرقعات [7] والكبل [8] ، وذلك منذ القرن الثالث الهجري.
هذا فيما يتصل بالشيخ، أما المريد فهو مريد وجه الله [9] ، وقد اخذت اللفظة من القرآن، قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف:28] . والإرادة"ترك ماجرت عليه العادة، وتحقيقها: نهوض القلب في طلب الحق ... فإذا ترك العبد العادة، التي هي حظوظ الدنيا والأخرى، فتُجرد حينئذ إرادته" [10] .
قال ابو النجيب السهروردي:"اما الصحبة مع الأستاذ فباتباع أمره ونهيه، وهي من حيث الحقيقة خدمة لا صحبة" [11] .
وعلى المريد شرط كي ينتفع بشيخه، قال عبد الله بن محمد بن منازل (ت329هـ) :"من احتجت إلى شيء من علومه فلا تنظر إلى عيوبه، فإن نظرك يحرمك بركة الانتفاع بعلمه" [12] ، وقال ابو مدين:"من ظهر له نقص في شيخه لم ينتفع به" [13] .
وقد أوجب الجيلي على المبتدئ في هذه الطريقة امورًا أولها تصحيح الاعتقاد بالتمسك بالكتاب والسنة والعمل بهما أمرًا ونهيًا، فبالاعتقاد يحصل له علم الحقيقة، وبعد ذلك يكون الصدق ثم الاجتهاد، وبالاجتهاد يتفق له سلوك الحقيقة، وان يعاهد الله ان لا ينصرف عن قصده بملامة مليم ولا بوجود كرامة إذ هي حجابه عن ربه مالم يصل إليه، فإذا حصل الوصول لا تضر الكرامة [14] .
كما اوجب الجيلي على المريد آدابًا مع شيخه منها: ترك مخالفة شيخه في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن [15] ، وان لايتكلم بين يديه إلا للضرورة، وان لا يظهر شيئًا من مناقب نفسه بين يديه، وان يكون متهيئًا لخدمته، ويجتهد ان لايكتم عن شيخه شيئًا من احواله وأسراره [16] . وقال الشهاب السهروردي ان من آداب المريد ان يكون تطلعه إلى مبهمٍ من حاله يستكشف عنه بالسؤال من الشيخ، على ان الصادق لايحتاج إلى السؤال باللسان في حضرة الشيخ بل يبادئه الشيخ بما يريد [17] .
(1) دائرة المعارف الاسلامية، ج 14، ص 4173 (الخرقة) .
(2) السهروردي، عوارف المعارف، ص 61.
(3) المصدر نفسه، ص 62.
(4) المصدر نفسه، ص 63.
(6) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 209.
(7) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 1، ص 248.
(8) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 14، ص 415.
(9) الجيلاني، الغنية، ص 440.
(10) المصدر نفسه، ص 439.
(11) السهروردي، ضياء الدين ابو النجيب عبد القاهر بن عبد الله، (ت 563 هـ) . آداب المريدين، (تحقيق طه عبد الرؤوف سعد) ، المكتبة الازهرية للتراث، القاهرة، (د. ت.) . ص 57.
(12) السلمي، طبقات الصوفية، ص 369.
(13) ابو مدين، انس الوحيد، ص 79.
(14) الجيلاني، الغنية، ص 445 - 446.
(15) المصدر نفسه، ص 447.
(16) المصدر نفسه، 450 - 451.
(17) السهروردي، عوارف المعارف، ص 236.