[1] . وقد وصف أبو عبد الله بن خفيف (ت371هـ) الشيوخ المقتدى بهم، فسماهم ثم قال:"لأنهم جمعوا بين العلم و الحقائق" [2] ، وهم يقصدون بالعلم والحقائق، علم الشريعة و التصوف. ووصف أبو مدين شعيب بن الحسين (ت590هـ) من يستحق ان يوصف بالشيخ فقال:"الشيخ من شهدت له ذاتك بالتقديم، وسرّك بالاحترام والتعظيم"، وقال أيضًا:"الشيخ من هذبك بأخلاقة، وأدّبك بإطراقه، وأنار باطنك بإشراقه" [3] .
وقد أوجب الشيخ عبد القادر الجيلي (ت 561 هـ) على الشيخ المؤدب أمورًا منها [4] : ان يقبل المريد لله لا لنفسه، فيعاشره بحكم النصيحة ويلاحظه بعين الشفقة، وأن يأخذه بالأسهل من الرياضات ثم بالأشد حتى يخرج عن قيد الطبع ويحصل في قيد الشرع، ثم ينقله من الرخص إلى العزيمة شيئًا بعد شيءٍ، ولاينبغي له أن يرتفق من المريد بحال لا بالانتفاع بماله ولا بخدمة، وعليه ان يربيه بهمته وينوب عنه في سرّه إذا وجد منه خللًا أو فترة، وعليه أن يحفظ سرّ المريدين وأحوالهم فينبغي له أن يكون مستراحًا للمريدين وخزانة وحرزًا لأسرارهم، وإذا رأى مايكره من المريد وعظه في السرّ وأدبه، فيصونه عن العجب، ويصغّر في عينه أحواله واعماله لئلا يهلك لأن العجب يسقط العبد من عين الله، وإذا غلب على الشيخ خشونة الخلق والقول وإفشاء أسرار المريدين وذكر مساويهم نفرت قلوبهم، عندها عليه ان يعزل نفسه عن هذه الولاية وينفرد عن المريدين ويطلب شيخًا يؤدبه كي لا يقطع على المريدين طريقهم.
وقد قرر شهاب الدين السهروردي (ت632هـ) بعضًا من آداب الشيخ مع
الأصحاب، مثل ان يكون للشيخ خلوة خاصة و وقت خاص لا يسعه فيه معاناة الخلق حتى يفيض على جلوته فائدة خلوته، وان ينزل إلى حال المريدين من الرفق بهم وبسطهم، وإذا علم من بعض المسترشدين ضعفًا في مراغمة النفس ان يرفق به ويوقفه على حدّ الرخصة [5] .
والشيخ هو الأب من حيث المعنى، وقد كان النجيب السهروردي (ت563هـ) يقول:"ولدي من سلك طريقي واهتدى بهديي" [6] .
وللمؤهلين للمشيخة من انواع الصالحين مواصفات سبقت الاشارة إليها [7] .
وقد صاغ ابن البنا السرقسطي شعرًا حاجة المريد إلى الشيخ وذكر من اوصافه، واكمل شروطه فقال:
وإنما القوم مسافرون ... لحضرة الحق وظاعنون
فافتقروا فيه إلى دليل ... ذي بصر بالسير و المقيل
قد سلك الطريق ثم عاد ... ليخبر القوم بما استفاد
وقال:
فعندما قام بهذا الخطب ... قالوا جميعًا أنت شيخ الركب
وأحدقوا من حوله يمشون ... وكلهم إليه يوزعون
وقال:
والسفر المذكور بالقلوب ... والشيخ في منزلة الطبيب
وقال:
وليس هذا طب جالينوس ... وإنما يختص بالنفوس [8]
ويعتبر لبس الخرقة بمثابة ارتباط بين الشيخ والمريد، وتحكيم من المريد للشيخ بنفسه، فيلبسه الخرقة إظهارًا للتصرف فيه، فيكون لبس الخرقة"علاقة التفويض والتسليم، ودخوله في حكم الشيخ دخوله في حكم الله وحكم رسوله وإحياء سنّة المبايعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" [9] .
(1) السمعاني، الانساب، ج 2، ص 486.
(2) القشيري، الرسالة القشيرية، ص 20.
(3) ابو مدين، شعيب بن الحسين، (ت 594 هـ) . أنس الوحيد ونزهة المريد، وهو منشور مع كتاب: السكندري، ابن عطاء، عنوان التوفيق في آداب الطريق، ط1، (تحقيق الدكتور خالد الزهري) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 2004. ص 87 - 88.
(4) الجيلاني، محي الدين ابو صالح عبد القادر بن موسى، (ت 561 هـ) . الغنية لطالبي طريق الحق، ط1، 2ج، 1م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د. ت.) . ص 452 - 453.
(5) السهروردي، عوارف المعارف، ص242 - 246.
(6) المصدر نفسه، ص 56.
(7) المصدر نفسه، ص 56 - 57.
(8) ابن عجيبة، احمد بن محمد، (ت 1224 هـ) . الفتوحات الالهية في شرح المباحث الاصلية لابن البنا السرقسطي، منشور مع كتاب: ابن عجيبة، ايقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عطاء الله السكندري، دار الفكر، بيروت، (د. ت.) . ص 142 - 189.
(9) السهروردي، عوارف المعارف، ص 60.