سادسًا: علاقة الشيخ والمريد:
إن علاقة الشيخ بالمريد من العلاقات الأساسية في التصوف، وهي قديمة قدم التصوف نفسه، وتعتبر من مظاهر الاستمرار في حركته، إذ من خلال هذه العلاقة انتقل التصوف وآدابه من رجل إلى رجل ومن عصر إلى عصر.
قال ابو حامد الغزالي (ت505هـ) عن الصوفية:"فظهر لي أن أخصّ خواصهم مالا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدّل الصفات. وكم من الفرق بين أن يعلم حدّ الصحة وحدّ الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن يكون صحيحًا وشبعانًا ... وكذلك الفرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها، وبين أن يكون حالك الزهد وعزوف النفس عن الدنيا، فعلمت يقينًا أنهم ارباب الاحوال لا اصحاب الأقوال" [1] . إن هذا القول يعني ان التصوف لا يمكن تعلمه، وإنما يمكن اكتسابه عبر التجربة المباشرة في ظل مرشد، ومن هنا كان التشديد على أخذ الأذن من شيخ مرشد للدخول في الذكر و الخلوة، وذلك لأن العبء يتم تعديله على حسب قدرة وطاقة المريد، ويتم التوصل إلى المعرفة من خلال الترقي في الأحوال، وبالتالي فإن التعليم لاحق للخبرة وليس سابقًا لها، فالمرشدون الصوفيون الأوائل سعوا للارشاد أكثر من سعيهم للتعليم، لتوجيه المريد لاكتساب البصيرة وحفظه من مخاطر الوهم [2] .
قال ابو علي الثقفي (ت 328هـ) :"لو أن رجلًا جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدب أو ناصح، ومن لم يأخذ أدبه من آمر له وناهٍ يريه عيوب أعماله ورعونات نفسه، لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات" [3] ، وقال مظفر القرميسيني:"من لم يأخذ الأدب عن حكيم لا يُتأدب به" [4] .
فما هي إذن مواصفات هذا الشيخ المرشد الذي يسعى المريد لصحبته و التأدب عليه؟
قال الدقاق أبو بكر نصر بن احمد (توفي في بداية القرن الرابع) وقد سأله صوفي: من أصحب؟ فقال:"من يعلم منك ما يعلمه الله منك فتأمنه على ذلك"
(1) الغزالي، ابو حامد محمد بن محمد بن محمد، (ت 505 هـ) . المنقذ من الضلال، منشور ضمن كتاب: مجموعة رسائل الامام الغزالي، ط1، دار الفكر، بيروت، 2003. ص 552.
(3) السلمي، طبقات الصوفية، ص 365.
(4) المصدر نفسه، ص 398.