الفصل الثالث
الخطاب الصوفي: الأسس و الموضوعات و المفاهيم
إن دراسة الخطاب الصوفي هي دراسة في ماصدر عن الصوفية من أقوال تعبر عن معتقداتهم ومواقفهم وقيمهم وعلومهم واحوالهم.
وقد عمل الباحث على تقسيم الخطاب الصوفي إلى ثلاثة عناوين فرعية تسهيلًا للدراسة فحسب، وهي: اسس الخطاب الصوفي ويتناول اهم معتقدات الصوفية التي اجمعوا عليها، والذهنية الصوفية القائمة على اساس سببي.
اما القسم الثاني فهو موضوعات الخطاب الصوفي، ويتناول بعض القضايا التي تناولها الصوفية في وعظهم ومصنفاتهم، عسى ان يتمكن الباحث من استخلاص دلالات تاريخية تتصل بالواقع الاجتماعي في بغداد في القرن السادس الهجري.
أما القسم الاخير فيتناول المفاهيم التي ينطوي عليها الخطاب الصوفي وهنا سيتناول الباحث بعضًا من ألفاظ الصوفية ومصطلحاتهم التي اصطلحوا عليها للتعبير عن خبراتهم، وهي اصطلاحات تتجاوز الدلالة اللغوية المباشرة والمتعارف عليها عند الناس.
وقد اضطر الباحث في هذا الفصل إلى الاكثار من الاقتباس نظرًا لتعذر إيجاز اقوالهم كونها هي نفسها تتسم بإيجاز هو غاية في البلاغة، وتحمل في نفس الوقت دلالات إيحائية تزيد من صعوبة إيجازها أو إعادة صياغتها.
ونظرًا لاتسام العديد من جوانب الخطاب الصوفي بالاستمرارية عبر القرون لم يجد الباحث مانعًا من اقتباس كلمات القدماء عند اللزوم إلى جانب كلام صوفية القرن السادس الهجري.
أسس الخطاب الصوفي:
إن الاساس العام الذي يقوم عليه التصوف يتلخص في أن إدراك المعاني و العلوم المعبّر عنها في إشاراتهم (الفاظهم) ليس له سوى طريق واحد هو التجربة الشخصية، وذلك لأنها مواجيد وأذواق هي ثمرات أحوال.
وقد استحدث الصوفية ما أسموه بعلم الإشارة لكي يعبروا من خلاله عن علوم الخواطر وعلوم المشاهدات والمكاشفات. وعلم الإشارة هذا هو الذي تفردت به الصوفية،"و إنما قيل علم الإشارة لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن التعبير عنها على التحقيق، بل تُعلم بالمنازلات والمواجيد، ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وحلّ تلك المقامات" [1] . وقد ذكر الغزالي
(1) الكلاباذي، التعرف لمذهب اهل التصوف، ص 86 - 87.