الصفحة 256 من 287

بأن أخص خواص الصوفية"مالا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات" [1] .

أوجز الشيخ عبد القادر الجيلي مراحل الوصول إلى علوم الصوفية تلك ومعارفهم فقال:"قل بسم الله، فكأنه يقول: بي وصل من وصل إلى الطاعات، ثم بنور الطاعات وصل إلى العيان، ثم استغنى بالعيان عن البيان ... ومن وصل إلى النظر استغنى عن الخبر" [2] ، وقال:"لابد من التعلم من الخلق اولًا وهو الحكم [الاحكام الشرعية] ، ثم من الخالق ثانيًا وهو العلم اللدني، علم يخصّ القلوب، سر يخص الاسرار"، وقد جاء بهذا الكلام شرحًا للحديث النبوي"من عمل بما يعلم أورثه الله علم مالم يعلم" [3] .

واكد شهاب الدين السهروردي هذا الأمر فقال:"فعلومهم [اي الصوفية] كلها إنباء عن وجدان، واعتزاء إلى عرفان، وذوق تحقق بصدق الحال، ولم يفِ باستيفاء كنهه صريح المقال لأنها مواهب ربانية ومنائح حقانية، استنزلها صفاء الأسرار وخلوص الضمائر، فاستعصت بكنهها على الإشارة، وطفحت على العبارة، وتهادتها الأرواح بدلالة التشامّ والائتلاف، وكرعت حقائقها من بحر الألطاف وقد اندرس كثير من دقيق علومهم كما انطمس كثير من حقائق رسومهم" [4] .

وقد اوضح ابن خلدون (ت 808 هـ) إشكالية فهم أذواقهم لدى غيرهم من الناس فقال:"قصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم ومواجيدهم في ذلك، واهل الفتيا بين منكر عليهم و مسلم لهم. وليس البرهان والدليل بنافع في هذه الطريق ردًا وقبولًا، إذ هي من قبيل الوجدانيات" [5] .

إذن، لا طريق إلى إدارك المعاني الصوفية إلا بدخول الحال، والوقوف حيث وقفوا لمعاينة ما عاينوا، وإلا بقيت الاقوال والإشارات خاوية من المعنى، وهذا اساس راسخ في الخطاب الصوفي.

(1) الغزالي، المنقذ من الضلال، ص 552.

(2) الجيلاني، الغنية، ص 158.

(3) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 226.

(4) السهروردي، عوارف المعارف، ص 10.

(5) ابن خلدون، المقدمة، ص 470.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت