وللصوفية اعتقادات وأصول أجمعوا عليها، هي في صلب العقيدة. وقد رأى الباحث إيراد بعض من اعتقاداتهم المجمع عليها وذلك بقدر ما يلزم لفهم أسس الخطاب الصوفي.
قال أبو يعقوب النهرجوري (ت330 هـ) :"الذي حصل أهلُ الحقائق في حقائقهم: أن الله تعالى غير مفقود فيُطلب، ولا ذو غاية فيدرك، ومن أراد موجودًا فهو بالموجود مغرور، وإنما الموجود - عندنا - معرفة الحال، وكشف علم بلا حال" [1] .
وفي مناجاة للحلاج (ت309هـ) قال:"أنت المنفرد بالقدم، والمتوحد بالقيام على مقعد صدق، قيامك بالعدل لا بالاعتدال، وبعدك بالعز لا بالاعتزال، وحضورك بالعلم لا بالانتقال، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتحال، فلا شيء فوقك فيظلك، ولاشيء تحتك فيقلك، ولا أمامك شيء فيجدك، ولا وراءك شيء فيدركك" [2] .
وذكر الكلاباذي عن بعض الكبراء قوله:"لم يسبقه قبل، ولا يقطعه بعد، ولا يُصادره من، ولا يوافقه عن، ولا يلاصقه إلى، ولا يُحله في، ولا يوقفه إذ، ولا يؤامره إن، ولا يُظله فوق، ولا يقله تحت، ولا يقابله حذاء، ولا يزاحمه عند، ولا يأخذه خلف، ولا يحدّه أمام، ولا يظهره قبل، ولا يفنيه بعد، ولا يجمعه كل، ولا يوجده كان، ولا يفقده ليس، ولا يستره خفاء، تقدم الحدثَ قدمُهُ والعدمَ وجودُه والغايةَ أزلُهُ. إن قلت متى فقد سبق الوقت كونه، وإن قلت قبل فالقبل بعده، وإن قلت هو فالهاء والواو خلقه، وإن قلت كيف فقد احتجب عن الوصف بالكيفية ذاتُهُ، وإن قلت اين فقد تقدم المكانَ وجودُهُ، وإن قلت ما هو فقد باين الأشياء هويتُهُ. لايجتمع صفتان لغيره في وقت لايكون بهما على التضاد، فهو باطن في ظهوره، ظاهر في استتاره، فهو الظاهر الباطن، القريب البعيد، امتناعًا بذلك من الخلق أن يشبهوه، فعلُهُ من غير مباشرة، وتفهيمه من غير ملاقاة، وهدايته من غير إيماء، لا تتنازعه الهمم، ولا تخالطه الافكار، ليس لذاته تكييف، ولا لفعله تكليف" [3] .
وفي هذا النص ما يؤكد صعوبة التعبير عن المشار إليه عندهم، كما يفهم من النص ان المشار إليه أظهر وأوضح من كل إشارة، ولذلك اكتفي الواصلون منهم بالحال دون المقال، وهذا معنى وجدهم الذي لا يمكن التعبير عنه بالمقال.
(1) السلمي، طبقات الصوفية، ص 379.
(2) ماسينيون، آلام الحلاج، ج 1، ص 257 - 258.
(3) الكلاباذي، التعرف لمذهب اهل التصوف، ص 34 - 35.