الصفحة 258 من 287

وأورد القشيري كلامًا للحسين بن منصور الحلاج (ت309هـ) يتصل بمسائل التوحيد، قال:"ألزم الكلّ الحدث لأن القدم له، فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه، والذي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه، والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت، والذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه، والذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه، ومن آواه محل أدركه أين، ومن كان له جنس طالبه مكيّف، .... تنزه عن أحوال خلقه، ليس له من خلقه مزاج ولا في فعله علاج، باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم .... ومعرفته توحيده، وتوحيده تمييزه عن خلقه، ما تصور في الأوهام فهو بخلافه ... لا تماقله العيون، ولا تقابله الظنون، قربه كرامته، وبعده إهانته، علوه من غير توقل، ومجيئه من غير تنقل، هو الأول والآخر والظاهر و الباطن، القريب البعيد، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [1] .

في هذا النص ما يؤكد المعاني المذكورة في النص السابق، بمعنى أنه إذا كان لابد من الإشارة إلى مقصودهم فإن إشارتهم إليه تنزيه له، والتنزيه نفي ما لايجوز في حقه، اما الإثبات فهو ما لا طاقة للإشارة بالتعبير عنه، وهنا مكمن الحال دون المقال.

ومن إجماعات الصوفية التي ذكرها ابو النجيب السهروردي:"ان الشرك و المعاصي كلها بقضاء وقدر، من غير ان يكون لأحد على الله حجة ... ولا يرضى لعباده الكفر والمعاصي، والرضا غير الإرادة .... [و] يرون الصلاة خلف كل بر وفاجر، ولايشهدون لأحد من اهل القبلة بالجنة لخير أتى به، ولا يشهدون عليه بالنار لكبيرة أتى بها .... ولايرون الخروج على الولاة ولو كانوا ظلمة" [2] ، وقال:"وأجمعوا على إباحة الكسب ... من غير أن يرى ذلك سببًا لاستجلاب الرزق" [3] .

وقال: انهم أجمعوا أيضًا على"أن الثواب فضله والعقاب عدله، والرضاء والسخط نعتان قديمان لا يتغيران بأفعال العباد، فمن رضي عنه استعمله بعمل أهل الجنة، ومن سخط عليه استعمله بعمل أهل النار" [4] .

وأجمعوا أيضًا على"أن الأمر و النهي واحكام العبودية لازمة للعبد مادام عاقلًا، غير أنه إذا صفا قلبه مع الله تسقط عنه كلفة التكاليف لا نفس وجوبها"، وأجمعواعلى"أن البشرية لا تزول عن أحد ولو تربع في الفضاء، غير أنها تضعف تارة وتقوى أخرى" [5] .

وأجمعوا أيضًا على"ان العبد يتنقل في الاحوال حتى يصير إلى نعت الروحانيين فتطوى له الأرض ويمشي على الماء و يغيب عن الابصار" [6] .

ومن اجماعاتهم ذات الدلالة الاجتماعية والاقتصادية"أن الغلاء والرخص من قبل الله لا من قبل أحد من خلقه من السلاطين و الملوك، ولا من الكواكب" [7] .

وفي قول يبين سبب تعدد معاني اللفظة الواحدة لدى الصوفية وعدم اجماعهم على مقصد واحد منها ما قاله بندار بن الحسين (ت353هـ) أن"الصوفية متفقون في الوحدانية - في الجملة - قولًا، متفرقون في الوصول إليها معاينة ومنازلة. وكل واحد يستحق إسم ماظهر عليه من حاله الذي هو به موصوف بعد اتفاقهم في الوحدانية قولًا. فمن بين مجتهد وزاهد وعابد، وخائف وراجٍ وغني وفقير ومريد ومراد، وصابر وراض ومتوكل، ومحب ومستهتر ومستأنسٍ ومشتاقٍ ووالهٍ، وهائم وواجد، وفانٍ وباقٍ، وأحوال يكثر تعدادها. وقد تجتمع كلها في واحد ويسمى بما عليه من الجميع" [8] .

وإذا كان سالكو الطريق أفراد، فلا عجب ان تتعدد المعاني التي يقصدونها في اللفظة الواحدة، إذ لكل فرد منهم حال يختص به دون غيره من الأفراد السالكين، يؤكد ذلك ما كان احمد بن عطاء (ت 309هـ) ينشده في مجلسه:

الطرق شتى وطرق الحق مفردة ... والسالكون طريق الحق أفراد

لا يطلبون ولا تطلب مساعيهم ... فهم على مهل يمشون قصّاد

والناس في غفلة عما له قُصدوا ... فكلهم عن طريق الحق رُقّاد [9]

أما مرجع الصوفية في كل ما تكلموا فيه من علم الباطن فأربعة احاديث نبوية، ذكرها السراج في اللمع [10] ، فقال:"حديث جبريل عليه السلام حيث"

(1) القشيري، الرسالة القشيرية، ص 6 - 7.

(2) السهروردي، آداب المريدين، ص 14.

(3) المصدر نفسه، ص 16.

(4) المصدر نفسه، ص 19.

(5) المصدر نفسه، ص 19.

(6) السهروردي، آداب المريدين، ص 19.

(7) الجيلاني، الغنية، ص 114.

(8) السلمي، طبقات الصوفية، ص 469.

(9) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 5، ص 231.

(10) السراج، اللمع، ص 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت