سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الايمان والاحسان فقال:"ان تعبد الله كأنك تراه ..."، وحديث عبد الله بن عباس: أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيدي وقال لي:"يا غلام احفظ الله يحفظك ..."، وحديث وابصة: الاثم ماحاك في صدرك، والبر ما اطمأنت إليه نفسك، وحديث النعمان بن بشير عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"الحلال بيّن والحرام بيّن"، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"لاضرر ولا ضرار في الاسلام".
ويبدو ان هذه الاحاديث الأربعة تجمع على الاشارة إلى الصدر والقلب وما يختلجهما من أحوال أفاد منها الصوفية.
وقد لاحظ الباحث من خلال دراسته لبعض النصوص ان كلام الصوفية يكتنفه نوع من السببية (علاقة السبب بالنتيجة) غير ما هو معتاد عند علماء الطبيعيات والاجتماع، وهي سببية ذات سمة إيمانية متصلة بنصوص القرأن والسنة، فلما تحققوا بها في أحوالهم صارت بحقهم شهادة وليس غيبًا. فما يميز هذه السببية الايمانية الصوفية - إن جاز التعبير - عما هو موجود لدى بقية علماء الاسلام، هو ان الصوفية تحققوا منها ذوقيًا، فوجدوا ثمراتها (نتائجها) حقًا حسبما وصف القرآن والسنة، فأخبروا عنها إخبار الموقنين.
وتقوم هذه السببية على حقيقة أن الله وحده متصرف بهذا العالم، وان كل مايقع فيه انما هو بحكمه وعلمه، فربطوا الحياة وما يجري فيها من احداث كبيرة أو صغيرة في الانفس والآفاق بأمر الله وحده، وهذا ما اعتبره الباحث أساسًا من اسس الخطاب الصوفي الذي بدراسته يصبح كلام الصوفية أقرب للفهم. فمقصود هذه السببية عندهم الرجوع إلى الله في كل أمورهم.
ولتوضيح هذا الأمر لابد من إعطاء أمثلة من كلامهم تشهد بذلك، ويلاحظ أن اكثر كلام الصوفية يتصل بالنفس اكثر من اتصاله بالواقع الخارجي.
قال الجنيد (ت 297هـ) :"من طلب عزًا بباطل أورثه الله ذلًا بحق" [1] وفي القرآن شاهد على المعنى [2] ، وقال ابو محمد الراسبي (ت367هـ) :"الهموم عقوبات الذنوب" [3] ويستنتج من ذلك أن علاج الهموم الاستغفار، وفي القرآن الكريم شاهد على هذا المعنى في دعاء ذي النون عليه السلام [4] ، وقال خير
(1) القشيري، الرسالة القشيرية، ص 32 الهامش.
(2) سورة مريم، الآية رقم 81 - 82.
(3) السلمي، طبقات الصوفية، ص 513.
(4) سورة الأنبياء، الآية رقم 87 - 88.