الصفحة 260 من 287

النساج (ت322هـ) :"الخوف سوط الله يقوّم به أنفسًا قد تعودت سوء الأدب" [1] .

ومن المعاني السببية التي دعت الصوفية إلى الشفقة على الناس والعفو عنهم حتى لو آذوهم، ما أشار إليه ابو عثمان الحيري (ت 298هـ) حيث"سئل: كيف يستجيز للعاقل أن يُزيل اللائمة عمن ظلمه؟ فقال: ليعلم ان الله سلطه عليه" [2] . ولايفهم من مثل هذا الكلام عندهم الاستسلام للظالم، وإنما يفهم منه الرجوع إلى الله الذي سلطه عليه بالحق فيستغفره ويصحح معه معاملته فيرفع التسليط عنه، وهذا المعنى تضبطه الآية الصريحة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [3] ، وفي شرحها قال الشيخ عبد القادر الجيلي (ت561هـ) :"غيرّوا له [اي لله] من نفوسكم مايكره حتى يؤتيكم ما تحبون" [4] ، وقال:"بالطاعة يحصل الأنس، وبالمعصية تحصل الوحشة، لأن من أساء استوحش" [5] .

وقد فسّر ابو مدين (ت590هـ) سبب البلايا والأزمات التي تصيب المجتمعات، وأشار إلى علاجها محيلًا السامع إلى آيات القرآن التي تشهد بالمعنى، فقال:"سنته عز وجل استدعاء العباد لعبادته بسعة الرزق ودوام المعافاة ليرجعوا إليه بنعمته، فإن لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون، لأن مراده عز وجل رجوع العبد إليه طوعًا أو كرهًا" [6] .

وقد وعظ الشيخ عبد القادر الجيلي في أحدى فترات الشدة والفاقة ببغداد فقال:"الغلاء سياط الملك [اي الحق سبحانه] يؤدب به" [7] ، وبالرغم من أن الغلاء له تفسيرات أخرى عند أهل الدراية بالاقتصاد والسياسة، إلا أن إحالته إلى الله تعالى من شأنه ان يحقق معنىً إيمانيًا له نتائج خلقية في المجتمع حيث أن مثل هذه الإحالة من شأنها نزع فتيل الاحقاد الاجتماعية والحفاظ على قدر من الأمان في المجتمع، فإذا كان المبتلي هو الله فلماذا يُلام الخلق، فالأصل - ضمن هذا المنظور - هو الرجوع إلى الله بحكم العبودية والاستسلام له ولحكمه وتوجيهه كي يكشف هذا الحال، وهو رجوع قابل للتحقق من ثمراته ونتائجه، فهو اذن ليس خطابًا غيبيًا نظرًا لقابليته للاختبار و التحقق في واقع الحياة والمعاش، والتعويل في ذلك على آيات من القرآن مثل قوله تعالى ?

(1) القشيري، الرسالة القشيرية، ص 43.

(2) السلمي، طبقات الصوفية، ص 175.

(3) سورة الرعد، الآية رقم 11.

(4) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 170.

(5) المصدر نفسه، ص 183.

(6) ابو مدين، انس الوحيد، ص 85.

(7) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 352.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت