يسمونه بالكلام على الخواطر، وهو من دلائل الكرامة وصدق الرجال. وكثيرًا ما كانت العامة تتلمس هذا الجانب منهم. والكلام على الخواطر أعطى كلام الصوفية ومواعظهم قوة تأثير في نفوس الناس يصعب تقديرها نظرًا لأنها تفجأ السامع على نحو غير متوقع بأمر لا يعلمه غيره.
قال الجنيد (ت 298هـ) :"العارف من نطق عن سرك وانت ساكت" [1] ، وقد أورد القشيري فصلًا بعنوان"الفراسة"تكلم فيه عن هذا الجانب تعريفًا وضربًا للامثلة، فذكر الحديث النبوي:"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" [2] ، وقد ذكر عن احمد بن عاصم الانطاكي (توفي في منتصف القرن الثالث الهجري) قوله:"إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق، فإنهم جواسيس القلوب، يدخلون في قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تُحسون" [3] ، وقال الحلاج (ت309هـ) :"الحق إذا استولى على سرّ ملّكه الأسرار فيعاينها ويخبر عنها"، وفي هذا ما يشير إلى المعنى الصوفي المعبر عنه بكلمة"يتكلم على الاسرار"بمعنى النطق عما يجول في خاطر الحاضرين دون أن يتكلموا، وسئل بعضهم عن الفراسة فقال:"أرواح تنقلت في الملكوت فتشرف على معاني الغيوب، فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة لانطق ظن وحسبان" [4] . وقال الخطيب البغدادي عن الحسين بن منصور:"كان يتكلم على أسرار الناس ومافي قلوبهم ويخبر عنها فسمي بذلك حلاج الأسرار فصار الحلاج لقبه" [5] .
وما يهم البحث من موضوع الكلام على الخواطر أنه كان ملازمًا للخطاب الصوفي في مواعظهم وعلاقاتهم بالناس في المجتمع البغدادي في القرن السادس الهجري، وهو أمر أمدّهم بقوة تأثير اجتماعية غير اعتيادية، وكان احد أهم الاسباب التي أدت إلى تداعي الناس، خاصتهم وعامتهم، لحضور مجالس وعظهم. ولم يكتفوا بكشف خواطر الناس، بل كانوا يعطون الأجوبة الشافية عليها أيضًا. وكان هذا الجانب من التصوف بمثابة علامة للناس يعرفون بها أولياء الله.
قال الشيخ عبد القادر الجيلي:"وهو عز وجل أطلعهم على ما أضمرت قلوب العباد، وانطوت عليه النيّات، إذ جعلهم ربي جواسيس القلوب، والأمناء على السرائر والخفيات" [6] ، وفي احدى مواعظه خاطب الحاضرين بقوله:"احوالكم ظاهرة عند ارباب القلوب" [7] . وفي غيرها قال:"لولا حفظ الحكم لنطق صاع يوسف عليه السلام بأسراركم واعمالكم، ولكن الحكم بذيل العلم مستجير به لئلا يبدى" [8] .
وقد أورد الجرجاني في تعريفاته لفظة النقباء وقال:"وهم الذين تحققوا بالاسم الباطن، فأشرفوا على بواطن الناس، فاستخرجوا خفايا الضمائر لانكشاف الستائر لهم عن وجوه السرائر ..." [9] . والنقباء هم إحدى فئات الأولياء الذين ذكروا في الاحاديث النبوية، ولدى الصوفية وغيرهم من العلماء [10] ، كالأبدال والنجباء والأخيار، والعمد والأوتاد والأقطاب والغوث.
وقال السلمي عن الأولياء:"فهم في الأمم خلفاء الأنبياء و الرسل، وهم ارباب حقائق التوحيد، والمحدّثون، واصحاب الفراسات الصادقة ..." [11] .
وكتب التراجم تصف بعض الرجال بالأبدال كناية عن أنهم عدول من أعلى درجة كبشر بن الحارث الحافي [12] (ت227 هـ) مثلًا.
ووصفهم يحيى بن معاذ (ت258هـ) بأنهم أبدال الرسل على اسرارهم، وان كلامهم عن الله وبالله وفي الله [13] . وقال الجيلي، الكلام للأنبياء والحديث للأولياء [14] .
والخطاب الصوفي ذو صلة وطيدة بفئات الأولياء، وقد اكثر الشيخ عبد القادر الجيلي من وصفهم وتفصيل احوالهم في اكثر مواعظه، وكان يدعو الناس لاحترامهم وإحسان الأدب معهم، قال:"احسنوا الأدب مع القوم فإنهم .... شحن البلاد و العباد، بهم تحفظ الأرض، وإلا إيش يحفظ بريائكم ونفاقكم وشرككم" [15] ، وهم"حجة الله على بقية الخلق" [16] . وعن القطب يقول:
(1) المصدر نفسه، ص 157.
(2) القشيري، الرسالة القشيرية، ص 180.
(3) القشيري، الرسالة القشيرية، ص 183.
(4) المصدر نفسه، ص 182.
(5) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 8، ص 113.
(6) الجيلاني، الغنية، ص 443.
(7) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 227.
(8) المصدر نفسه، ص 345.
(9) الشريف الجرجاني، علي بن محمد، (ت 816 هـ) . كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، بيروت، 1985. ص 266.
(10) انظر: العجلوني، اسماعيل بن محمد الجراحي، (ت 1162 هـ) . كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس، ط 3، 2 ج، دار الكتب العلمية، بيروت، 1988.
ج 1، ص 25 - 28.
(11) السلمي، طبقات الصوفية، ص 2.
(12) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 7، ص 76.
(13) الجيلاني، الفتح الرباني، ص 409.
(14) المصدر نفسه، ص 445.
(15) المصدر نفسه، ص 158.
(16) المصدر نفسه، ص 70.