والشريعة وجود الافعال لله تعالى، والحقيقة شهود الاحوال بالله [1] .
قال عبد القادر الجيلي (ت561هـ) : ملاك التوحيد محو كل متلوح من المحدثات بعين السر [2] . وقال أيضًا: إبكِ له، وابك منه، وابك عليه [3] ، وقال: الخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك، مادمت ترى الخلق ماترى نفسك، ومادمت ترى نفسك ماترى ربك، فالفقر موتٌ والناس يطلبون ان يعيشوا فيه [4] . وقال: الحب العمى عن غير المحبوب غيرةً عليه، والعمى عن المحبوب هيبة له، فهو عمىً كله [5] .
وقال ابو مدين (ت594هـ) : لا تكون له عبدًا ولغيره فيك شائبة رقّ [6] . وقال: السالك ذاهب إليه، والعارف ذاهب فيه [7] ، بمعنى ان السالك حاله حال من لم يصل بعد، اما العارف فهو الواصل، لكن وصوله لا يعني توقفه عن السير وإنما يعني سيرًا في معرفة ربه وارتقاء في تلك المعرفة. وقال: الفقر فقر مادمت تستره، فإذا اظهرته ذهب نوره [8] .
وقال: الحق تعالى لا يراه أحد إلا مات، ومن لم يمت لم ير الحق [9] . وقال علي بن محمد بن غليس (ت598هـ) : من اعتقد انه يصل إلى الله تعالى بغير عمل فهو متمنٍ، ومن اعتقد أنه يصل بعمله فهو متعنٍ، إعمل وانس فلك من لا ينسى" [10] ."
وفي حكم ابن عطاء الله السكندري (ت709هـ) وهي حكم أًجملت كثيرًا من خبرات الصوفية السابقين: وصولك إلى العلم به، وإلاّ جلّ ربنا ان يتصل به شيء او يتصل هو بشيء [11] .
وقال الجامي (ت898هـ) : الفناء نهاية السير إلى الله، والبقاء بداية السير في
الله [12] .
وذكر الكاشاني (ت736هـ) ان الفناء فناء رؤية العبد لفعله بقيام الله تعالى على ذلك. والبقاء رؤية العبد قيام الله تعالى على كل شيء [13] . وعرف السّكر بأنه غيبة بواردٍ قوي [14] . كما عرف الذوق فقال: أول مبادئ التجليات الالهية وهو حال يفجأ القلب، فإذا مكث نَفَسَيْن فصاعدًا سُمي شربًا، ومن أثبت الغاية قال بالريّ [15] ، وعرف الحقيقة بأنها: سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه [16] .
وقد تعمد الباحث ذكر تعريفات لبعض الألفاظ الواردة في سياق البحث. ولكن هناك الفاظ أخرى تستعصي على الفهم من حيث اللفظ ومن حيث التعريف، كقول الجنيد مثلًا:"القرب بالوجد جمع، والغيبة بالبشرية تفرقة" [17] ، إذ أن كل لفظة من هذا القول تحتاج إلى تعريف لوحدها.
وهذا لايعني ان كل كلام الصوفية مستعصٍ على الفهم، فهناك من كلامهم ماهو حكمة متاحة لكل سامع، ومن ذلك مثلًا قول عبد الله بن خبيق من أهل القرن الرابع الهجري:"علامة الألفة قلة الخلاف وبذل المعروف"، وكقوله:"وحشة العباد عن الحق أوحشت منهم القلوب، ولو أنسوا بربهم ولزموا الحق لاستأنس بهم كل أحد" [18] ، وكقول ابي يزيد البسطامي (ت261هـ) :"من سمع الكلام ليتكلم مع الناس رزقه الله فهمًا يكلم به الناس، ومن سمعه ليعامل الله به في فعله رزقه الله فهمًا يناجي به ربه عز وجل" [19] .
ويلاحظ انه كلما تقدم الزمن في القرن الثالث الهجري كلما بدأت كلمات الصوفية تنحو منحىً رمزيًا، وخاصة في طبقة الجنيد (ت298هـ) ومابعدها. أما قبل ذلك فيغلب على كلام الصوفية الحكمة والنصحية لعامة المؤمنين، وليس لخاصة الصوفية وحدهم.
ومما يتصل بكلام الصوفية، والذي عرفه العامة والخاصة عنهم، ما
(1) التادفي، قلائد الجواهر، ص 196.
(2) الشطنوفي، بهجة الاسرار، ص 112.
(3) المصدر نفسه، ص 260.
(4) المصدر نفسه، ص 256.
(5) المصدر نفسه، ص 256.
(6) ابو مدين، أنس الوحيد، ص 86.
(7) المصدر نفسه، ص 73.
(8) المصدر نفسه، ص 75.
(9) أبو مدين، أنس الوحيد، ص 78.
(10) ابن النجار، ذيل تاريخ بغداد، ج 4، ص 33 - 35.
(11) ابن عجيبة، ايقاظ الهمم في شرح الحكم، ص 295.
(12) الجامي، نفحات الانس، ج 1، ص 10.
(13) الكاشاني، عبد الرزاق بن احمد، (ت 736 هـ) . رشح الزلال في شرح الألفاظ المتداولة بين أرباب الاذواق والاحوال، (تحقيق وتقديم سعيد عبد الفتاح) ، المكتبة الازهرية للتراث، القاهرة، 1995. ص 77.
(14) المصدر نفسه، ص 79.
(15) المصدر نفسه، ص 81.
(16) المصدر نفسه، ص 89.
(17) السلمي، طبقات الصوفية، ص 157.
(18) السلمي، طبقات الصوفية، ص 145.
(19) المصدر نفسه، ص 71.