الصفحة 286 من 287

الفصل الرابع

علاقة متصوفة بغداد بفئات المجتمع ومؤسساته:

الخلافة، والفقهاء، والعامة

اتسم القرن السادس الهجري بانخراط الصوفية في أنشطة المجتمع البغدادي على نحو غير مسبوق في تاريخ التصوف. وقبل ذلك كان الصوفية يعيشون في مرحلة تشبه العزلة الاجتماعية، حيث كان لهم جماعاتهم الخاصة ذات العدد القليل، وكان لهم حلقات خاصة بهم في المساجد، إضافة إلى أن ألفاظهم ومصطلحاتهم كانت لا تزال غير مفهومة لدى أكثر الناس، وكان يندر أن يتولى أحد منهم منصبًا رسميًا، بل على العكس كان الواحد منهم إذا اتجه نحو التصوف اعتزل منصبه إن كان من أولي المناصب وانفرد للخلوة والمجاهدة، كما فعل الشبلي (ت 334 هـ) وكان حاجب الأمير الموفق [1] ، وكما فعل أبو علي الروذباري (ت 322 هـ) وكان من أبناء الوزراء والرؤساء والكتبة [2] . كما أسهم موقف الفقهاء السلبي عمومًا تجاه الصوفية قبل القرن السادس الهجري في عزلهم عن المشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والرسمية. وربما تعمد الصوفية القدماء الإبتعاد عن الأضواء، كما أنه لا يعلم أنهم حاولوا دعوة الناس إلى الإلتحاق بسلك التصوف على نحو ما شهد القرن السادس الهجري ومابعده، فتصوف القدماء لم يكن جماهيريًا شعبيًا، بل كان تصوف جماعات قليلة متباعدة.

وبدخول القرن السادس الهجري تزايد استقرار الصوفية في ربط على نحو واضح، وكان الرباط محلًا للتفاعل بين الصوفية وبقية فئات المجتمع عبر مجالس الوعظ وتلاقح العلم بين الصوفية والفقهاء والعلماء، وعبر إقامة طلاب العلم في حجرات داخل تلك الربط، كما أسهمت المدارس المبنية بجانب بعض الربط- والتي أشرف عليها ودرّس بها شيوخ التصوف أنفسهم- في تقريب التصوف وسلوكه لطلاب الفقه. وصار مشاهير شيوخ التصوف يرسلون بعض تلاميذهم إلى البلاد الأخرى لنشر التصوف ودعوة الناس للإنتظام في سلكه كما مرّ آنفًا. وازداد أتباع الشيوخ التصوف في بغداد وخارجها. وبعد زوال الدولة

(1) السلمي، طبقات الصوفية، ص 337. ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، (ت 597 هـ) . صفة الصفوة، ط 2، 4 ج، (تحقيق محمود فاخوري، محمد رواس قلعه جي) ، دار المعرفة، بيروت، 1979. ج 2، ص 456.

(2) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 1، ص 347. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 3، ص 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت