الثالث: أن ما ذكر من اقتران الإذكار والإيناث بما لا تأثير للأسباب فيه كالشقاوة والسعادة والرزق والأجل دليل على أنهما لا يستندان إلا إلى مجرد المشيئة - فهذا غير مسلم لوجهين:
1)أن دلالة الاقتران على الاتفاق في الحكم والتساوي ضعيفة في قول أكثر الأصوليين [1] . فاقتران ما له سبب كالإذكار والإيناث بما ليس له سبب كالشقاوة والسعادة لا يفيد الاتفاق والمساواة في عدم السببية.
2)أن السعادة والشقاوة والرزق والأجل كلها بأسباب [2] . وكون أسباب هذه الأمور لا تكون إلا بعد الولادة [3] لا يلزم منه استواء جميع المذكورات في وقت السبب وزمنه. فالسعادة والشقاوة والرزق والأجل لا تكون إلا بعد الولادة بخلاف الإذكار والإيناث فإنهما يكونان قبلًا؛ لذلك تقدم زمن ما قدره الله من أسبابهما.
الدليل الرابع: قياس السعي في تحديد جنس الجنين على معالجة العقم الذي يمكن معالجته. فإنه لا خلاف بين أهل العلم في جواز السعي في معالجة العقم مع كونها سعيًا في إيجاد الحمل وأخذًا لأسباب حصوله. وليس فيه معارضة لقول الله تعالى: {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [4] . فجواز أخذ أسباب تحديد جنس الجنين من باب أولى؛ لأنه عمل بالأسباب الممكنة لإدراك صفة في الجنين، وهو أسهل من أخذ أسباب الإيجاد والتكوين.
الدليل الخامس: قياس السعي في تحديد جنس الجنين على جواز العزل. ووجهه أن العزل سبب يبذله الإنسان لمنع الحمل وضبط حصوله يشابهه في المعنى ضبط جنس الجنين [5] .
ويجاب عن هذا بأن القياس إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة وتشابه بيَّن بينهما [6] ، وليس هذا ظاهرًا بينهما، كما أن العزل اختلف أهل العلم في حكمه بين مانع ومبيح [7] ، فهو قياس على مختلَف فيه، ومن شروط صحة القياس الاتفاق على حكم الأصل [8] .
(1) ينظر: كشف الأسرار 2/ 2 61، البحر المحيط 8/ 109، التحبير شرح التحرير 5/ 2457.
(2) تحفة المودود ص 166.
(3) التبيان في أقسام القرآن 2/ 165.
(4) الشورى:50.
(5) اختيار جنس الجنين دراسة فقهية طبية ص 79.
(6) ينظر: التحبير شرح التحرير 7/ 3116 - 3125.
(7) طرح التثريب 7/ 60 - 61.
(8) ينظر: كشف الأسرار 3/ 333، شرح الكوكب المنير 4/ 27.