الصفحة 3 من 8

وأعطاها أهل الباطل، ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا، فإن من وضع إنسانًا بمسبعة فقد قتل، ومن ألقى اللحم بين السباع فقد أكل، ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولي عليها من الظلمة فقد أعطاهم إياها. فإذا كان إتلافها حرامًا وحبسها أشد من إتلافها تعين إنفاقها، وليس لها مصرف معين، فتصرف في جميع جهات البر والقرب التي يتقرب بها إلى الله؛ لأن الله خلق الخلق لعبادت، وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته فتصرف في سبيل الله، والله أعلم).

قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتاوى الكبرى) بحذف استطراد يسير، وترتيب للبيان (18) .

الدليل الأول:

قوله _تعالى_:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ..." [البقرة: 267] .

الدليل الثاني:

ما ثبت عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله _تعالى_ طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله _تعالى_ أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:"يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ" [المؤمنون: 51] وقال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ..." [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟» (19) ."

الدليل الثالث:

ما رواه ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"والذي نفسي بيده لا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار" (20) .

ووجه الدلالة من هذه الأدلة:

أن هذه النصوص قاطعة في أن الله _سبحانه وتعالى_ طيب لا يقبل إلا طيبًا، فلا يقبل من الصدقة إلا ما كان مالًا حلالًا، مكتسبًا بطريق مشروع، وأن النفقة الحلال شرط لقبول الأعمال الصالحة - وكل أنواع القربات- وهذا يعني أن منفق المال الحرام في أي وجه من وجوه البر لا ثواب له فيما أنفق.

المناقشة:

أجاب الإمام الغزالي على القائلين بعدم جواز التصدق بالمال الحرام بقوله (21) :"أما قول القائل: لا نتصدق إلا بالطيب فذلك إذا ما طلبنا الأجر لأنفسنا، ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة، لا الأجر، وترددنا بين التضييع والتصدق، ورجحنا التصدق على التضييع."

وقول القائل: لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا فهو كذلك، ولكنه علينا حرام؛ لاستغنائنا عنه، وللفقير حلال؛ إذ أحله دليل الشرع.

وإذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل"."

والراجح والله أعلم القول الأول. لقوة أدلتهم ومراعاتها للمصلحة الشرعية، وعدم وجود الدليل المتمسك به من قبل القول الثاني.

الفرع الثاني: طريقة التخلص من المال الربوي(22).

قد تعددت أقوال الفقهاء في المصارف الشرعية لهذا الأموال:

القول الأول: مصالح المسلمين عمومًا.

والمقصود بمصالح المسلمين: ما يستفيد منه عموم المسلمين ولا يختص بفرد من أفرادهم من بناء القناطر والسدود وإصلاح الشوارع إلى غير ذلك.

وهو رأي لشيخ الإسلام ابن تيمية (23)

القول الثاني: مصرف صدقة التطوع عمومًا.

وهي أشمل من كلمة مصالح المسلمين: فتشمل المصالح وإعطاء الفقراء وبناء المساجد؛ لأن هذه الأشياء من مصارف الصدقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت