وهو قول الحنفية (24) والمالكية (25) وهو قول الإمام أحمد (26) وعليه رأي الحنابلة (27) ورأي الغزالي من الشافعية (28) .
وهو رأي اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية (29) ، والمستشار الشرعي لبيت التمويل الكويتي (30) .
القول الرابع: ينفقها في سبيل الله.
والمقصود به الجهاد في سبيل الله.
وهذا رأي آخر لشيخ الإسلام ابن تيمية، حيث يقول (31) : (حَتَّى لَوْ كَانَ الرَّجُلُ قَدْ حَصَلَ بِيَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ إلَى أَصْحَابِهِ لِجَهْلِهِ بِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ بِيَدِهِ وَدَائِعُ أَوْ رُهُونٌ أَوْ عَوَارٍ قَدْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِهَا، فَلْيُنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَصْرِفُهَا. وَمَنْ كَانَ كَثِيرَ الذُّنُوبِ فَأَعْظَمُ دَوَائِهِ الْجِهَادُ، فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-:"يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ". وَمَنْ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ الْحَرَامِ وَالتَّوْبَةَ، وَلا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى أَصْحَابِه، ِ فَلْيُنْفِقْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ حَسَنَةٌ إلَى خَلاصِهِ مَعَ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ أَجْرِ الْجِهَادِ ... )
أدلة الأقوال:
تتقارب أدلة القولين بشدة إلا أن القول الأول خص من عموم الصدقة ما يكون نفعه شاملًا، حتى تشمل المستحق من الفقراء وغيرهم، ولم أجد لهم -حسب قراءتي- دليلًا معينًا.
أما خصوص أدلة القول الثاني فهي:
قالوا: إن كل مال لا مالك له محدد فيصرف مصرف الصدقة (32) ، يدل لذلك رهان أبي بكر - رضي الله عنه - قبل الهجرة حين أنزل الله _تعالى_"آلم غلبت الروم"الآية قالت له قريش: ترون أن الروم تغلب؟ قال: نعم، فقال: هل لك أن تخاطرنا فخاطرهم فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: اذهب إليهم فزد في الخطر ففعل، وغلبت الروم فارسًا فأخذ أبو بكر - رضي الله عنه - خطره، فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - (33) .
حيث جاء في آخره (فتصدق به) ، وأيضًا ما روي عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو على القبر يوصي الحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء وجيء بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم، فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلوك لقمة في فيه، ثم قال: إني أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها، فأرسلت المرأة: يا رسول الله، إني أرسلت إلى البقيع ليشترى لي شاة، فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي - قد اشترى شاة - أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت بها إليّ، فقال _عليه السلام_: أطعميه الأسارى (34) .
كما ورد كلام السلف وأن مصرفها الصدقة:
فقد جاء أن مالك بن دينار زعم أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَطَاءً فَقَالَ: إنِّي كُنْت غُلَامًا فَأَصَبْت أَمْوَالًا مِنْ وُجُوهٍ لَا أُحِبُّهَا فَأَنَا أُرِيدُ التَّوْبَةَ، قَالَ: رُدَّهَا إلَى أَهْلِهَا، قَالَ: لَا أَعْرِفُهُمْ. قَالَ: تَصَدَّقَ بِهَا، فَمَا لَك مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَجْرٍ، وَمَا أَدْرِي هَلْ تَسْلَمُ مِنْ وِزْرِهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: وَسَأَلْت مُجَاهِدًا فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ (35) .
استدلوا بأدلة القول السابق، واستثني بناء المساجد؛ لأنها ينبغي أن تكون من مال طاهر (36) .
أن الجهاد سبب لغفران الذنوب؛ الذي يحتاجه المتعامل بالربا، والإعانة على الجهاد من الجهاد (37) .
مناقشة الأقوال:
يبدو للناظر أن القول الأول والثاني مخرجهما في الجملة واحد، فمن مصالح المسلمين العناية بالفقراء ورعايتهم، خاصة إذا كان من أسباب الفقر فشو الربا وانتشاره؛ فالمال مالهم.
وأما القول الرابع: فكلام شيخ الإسلام عند التأمل، لا يدل على القصر بل يشير إلى أنه الأفضل، وإلا فإن الصدقة من مكفرات الذنوب أيضًا.
ويبقى القول الثالث: وهو قول فيه وجاهة، خاصة إذا لم نتأكد من أن المال قد بذل المتخلص منه وسعه في