إرجاعه لمستحقه ومن ثم الدخول في دائرة الشبهة والتفرع على مسألة صحة الصلاة في الأرض المغصوبة، والعبادة وخاصة الصلاة يتورع فيها كثيرًا.
ذكر الفقهاء في ذلك قولين:
القول الأول: الحاكم.
وهو رأي بعض الشافعية كالغزالي (38) وبعض الحنابلة كابن مفلح (39) .
بشرط أن يكون صالحًا (40) .
القول الثاني: القابض.
وهو رأي الإمام أحمد (41) ومفهوم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية (42) .
أنَّ السلطان أَعْرفُ بالمصالح العامة وأقدر عليها (43) .
يستأنس له بأنه قول وفعل للسلف ومن ذلك:
ما جاء في مصنف ابن أبي شيبة: عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: رَجُلٌ أَصَابَ مَالًا مِنْ حَرَامٍ , قَالَ: لِيَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ , فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَهْلَهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ , وَلَا أَدْرِي يُنْجِيهِ ذَلِكَ مِنْ إثْمِهِ) (44) .
وقد يستدل له:
قياسًا على إخراج الزكاة؛ فللمزكي إخراج الزكاة للفقراء مباشرة.
والذي يبدو والله أعلم أنه إذا قيل إن مصرفها المصالح العامة فالحاكم أولى بها وأعرف، وإن قيل مصرفها الصدقة وشملت الفقراء، فالقابض أولى، وقد يصرفها لنفسه إن كان فقيرًا، كما أشار شيخ الإسلام، مع التنبه أن فرض المسألة في الحاكم العادل الأمين ذو الدين.
الفرع الرابع: ما لو كان المقترض بالربا يُعلم من حاله كثرة التعامل بهذه الطريقة وأن إرجاع المال إليه لا يغير من حاله؟
جاء في المجموع للنووي (45) : (قَالَ الْغَزَالِيُّ: إذَا وَقَعَ فِي يَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ مِنْ يَدِ السُّلْطَانِ قَالَ قَوْمٌ: يَرُدُّهُ إلَى السُّلْطَانِ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَمْلِكُ وَلا يَتَصَدَّقُ بِهِ وَاخْتَارَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ هَذَا وَقَالَ آخَرُونَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ السُّلْطَانَ لا يَرُدُّهُ إلَى الْمَالِكِ؛ لأَنَّ رَدَّهُ إلَى السُّلْطَانِ تَكْثِيرٌ لِلظُّلْمِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لا يَرُدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَنْ مَالِكِهِ.(قُلْتُ:) الْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّ السُّلْطَانَ يَصْرِفُهُ فِي مَصْرِفٍ بَاطِلٍ أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ ظَنًّا ظَاهِرًا، لَزِمَهُ هُوَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلِ الْقَنَاطِرِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ , تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الأَحْوَجِ , فَالأَحْوَجِ , وَأَهَمُّ الْمُحْتَاجِينَ ضِعَافُ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ صَرْفَ السُّلْطَانِ إيَّاهُ فِي بَاطِلٍ فَلِيُعْطِهِ إلَيْهِ أَوْ إلَى نَائِبِهِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ , لأَنَّ السُّلْطَانَ أَعْرَفُ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَأَقْدَرُ عَلَيْهَا , فَإِنْ خَافَ مِنْ الصَّرْفِ إلَيْهِ ضَرَرًا صَرَفَهُ هُوَ فِي الْمَصَارِفِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِيمَا إذَا ظَنَّ أَنَّهُ يَصْرِفُهُ فِي بَاطِلٍ).
وعند النظر والتأمل في القواعد الشرعية: أن إعادة المال له وخاصة في مثل حال البنوك التي تجاهر بالربا وتستغل هذه الأموال في الازدياد أنه لا يجوز إرجاعها لهم، بل تصرف في مصرف الصدقة الشرعي، ويراعي جانب الفقراء؛ لأن الربا من أسباب الفقر، والله أعلم.
هذا ما تقرر بحثه في هذه المسألة وأسأل الله لي ولجميع المسلمين السلامة من الربا وجميع الآثام والموبقات، إنه سميع مجيب، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مقدمة رسالته القواعد الأربع.
(2) (141) ذكره الدكتور محمد الأشقر في بحثه أحكام المال الحرام، ضمن كتاب أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة (1/ 80 - 89) أن لفظة التخلص ذكرها الغزالي في إحياء علوم الدين، وأنها اللفظة