لعذر، كحر أو برد، أو مداواة، أو احتاجت المرأة إلى ستر الوجه، جاز ووجبت الفدية" (11) ."
وقد اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (12) ، على لزوم الفدية على من لبس المخيط، لفعله محذورًا من محذورات الإحرام سواء كان بعذر أم بغير عذر؛ فإن كان بعذر فلا إثم عليه، وإن كان بغير عذر فعليه إثم لمخالفته للواجب، وذلك قياسًا على الحلق بسبب الأذى كما في قوله تعالى:"فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ" (13) ، قال ابن سعدي رحمه الله:"ومثل هذا كل ما كان في معنى ذلك، من تقليم الأظافر، أو تغطية الرأس، أو لبس المخيط، أو الطيب، فإنه يجوز عند الضرورة مع وجوب الفدية المذكورة، لأن القصد من الجميع إزالة ما به يترفه" (14) ، ولما روي عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- قال: أتى عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زمن الحديبية وأنا أوقد تحت قدر لي، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: (أيؤذيك هوام رأسك؟) قال، قلت: نعم، قال: (فاحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة) (15) .
ومن هنا يظهر -والعلم عند الله- جواز لبس اللباس العسكري للجندي الحاج إذا كانت طبيعة عمله تستلزم منه لبس اللباس العسكري أثناء إحرامه، وذلك لدعاء الحاجة إلى ذلك، وأنَّ عليه الفدية للبسه للمخيط بناءً على قول جمهور الفقهاء.
ولكن إذا قلنا بقول جمهور الفقهاء بوجوب الفدية عليه، فإنه من المعلوم أن لباس الجندي يتكون من غطاء الرأس، و (البدلة) ، والحذاء العسكري (16) ، فهل يلزمه فدية لتغطية رأسه، وفدية للبسه للمخيط، وفدية للبسه الحذاء، أم تلزمه فدية واحدة؟.
قال الزيلعي رحمه الله من فقهاء الحنفية:"ولو لبس اللباس كلها من قميص وقباء وسراويل وخفين يومًا كاملًا يلزمه دم واحد؛ لأنه من جنس واحد، فصار كجناية واحدة" (17) .
وقال النووي رحمه الله وهو من فقهاء الشافعية:"أو لبس أنواعًا كالعمامة، والقميص، والسراويل، والخف، أو نوعًا واحدًا مرة بعد أخرى؛ نظر: فإن فعل ذلك في مكان على التوالي لم تتعدد الفدية، ولا يقدح في التوالي طول الزمان في مضاعفة القمص وتكوير العمامة ..." (18) .
وقال ابن قدامة الحنبلي رحمه الله:"وإذا لبس عمامة وقميصًا وسراويل وخفين، فعليه فدية واحدة، لأنه جنس واحد، فأشبه ما لو طيب رأسه وبدنه" (19) .
فالذي يظهر -والعلم عند الله- بأنَّ على الجندي الذي احتاج إلى لبس اللباس العسكري وهو محرم، فدية واحدة؛ لأن فعله للمحظور كان من جنس واحد.