وقال الشنقيطي رحمه الله:"الظاهر أن من ترك المبيت بمنى لعذر لا شيء عليه، كما دل عليه الترخيص للعباس من أجل السقاية، والترخيص لرعاء الإبل في عدم المبيت" (66) .
وبعد عرض هذه المسألة؛ فإن الجنود الحجاج إذا كان العمل يتطلب منهم ترك المبيت بمنى الليالي كلها أو بعضها للحاجة أو المصلحة العامة التي تتعلق بأمور الحجيج، فإنه يرخص لهم في ذلك؛ قياسًا على أهل السقاية والرعاية، وذلك لأجل المصلحة العامة، ولأجل المشقة في المبيت، ولأن الشارع قد اعتبر هذه العلل فرخص فيها وراعاها، ومن مقاصد الشريعة التيسير ورفع الحرج إذا وجدت المشقة - والله أعلم.
قد يحتاج بعض الجنود الحجاج إلى تأخير الرمي وجمعه مع بعضه البعض، وذلك لأن طبيعة أعمالهم تتطلب منهم البقاء عليها، وعدم مغادرتها كالقائمين على أعمال الحراسة في غير منى، أو العاملين في غرف العمليات والمراقبة ولا يستطيعون مغادرتها.
ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخَّص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا، وذلك في حديث عاصم بن عدي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: رخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرعاء الإبل في البيتوتة، أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر فيرمونه في أحدهما (67) ، وفي رواية أخرى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا (68) .
قال الشوكاني رحمه الله:"وإنما رخص للرعاء، لأن عليهم رعي الإبل وحفظها لتشاغل الناس بنسكهم عنها، ولا يمكنهم الجمع بين رعيها وبين الرمي، فيجوز لهم ترك المبيت للعذر، والرمي على الصفة المذكورة" (69) .
ومعنى هذا: أنه يرخص للرعاة إذا رموا جمرة العقبة، أن يتركوا رمي اليوم الأول من أيام التشريق، وهو اليوم الحادي عشر إلى اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق، فيرموا الجميع في وقت واحد (70) .
بهذا هل يلحق برعاة الإبل من كان في معناهم من أهل الأعذار؟
سبق بيان كلام الفقهاء في ذلك، وأن الصحيح هو ما عليه جمهور الفقهاء من جواز تعدي العلة إذا وجدت في أهل الأعذار.
وبناءً على ذلك فإن الجنود الحجاج الذين تتطلب طبيعة أعمالهم القيام عليها وعدم مغادرتها لمصلحة الحجيج العامة، ولا يتمكنون من الذهاب إلى منى لرمي الجمار في كل يوم، فإنه يرخص لهم في جمع رمي الجمار في أيام التشريق، فيجوز لهم حينئذ جمع رمي اليوم الأول إلى اليوم الثاني، أو جمع رمي اليوم الأول والثاني إلى اليوم الثالث من أيام التشريق؛ وذلك لقياسهم على رعاة الإبل بجامع المشقة والحاجة إلى الجمع، بخلاف رمي جمرة العقبة فإنها