الصفحة 9 من 12

الترجيح:

الذي يظهر ترجيحه -والله أعلم- هو القول الأول القائل بوجوب المبيت بمنى، وأن تاركه يلزمه الدم لتركه واجبًا من واجبات الحج، وذلك لقوة ما استدلوا به من دليل، ولسلامته من المناقشة القائمة.

أما رخصة ترك المبيت بمنى لأهل السقاية والرعاة؛ فهي ثابتة ومتفق عليها عند جميع الفقهاء (57) ، وذلك مبني على حديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق في استئذان العباس للنبي -صلى الله عليه وسلم- في المبيت بمكة لأجل السقاية، وعلى حديث عاصم بن عدي -رضي الله عنه- قال: رخص رسول الله لرعاء الإبل في البيتوتة، أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما" (58) ."

ولكن هل يلحق بهم من كان في معناهم من أهل الأعذار؟

ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة إلى جواز ذلك (59) ، وذلك إذا وجد فيهم المعنى الذي رخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأجله لأهل السقاية والرعاية، قال ابن قدامة رحمه الله:"وكل ذي عذر من مرض، أو خوف على نفسه أو ماله؛ كالرعاة في هذا لأنهم في معناهم" (60) ، وقال النووي رحمه الله:"ومن المعذورين من له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت، أو يخاف على نفسه، أو كان به مرض يشق معه المبيت، أو له مريض يحتاج إلى تعهده، أو يطلب آبقًا، أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته، ففي هؤلاء وجهان الصحيح المنصوص: يجوز لهم ترك المبيت ولا شيء عليهم" (61) .

وخالف في ذلك فقهاء المالكية، فقالوا: إن الرخصة ثبتت لرعاة الإبل فقط، وللعباس وولده خاصة، فتقصر الرخصة عليهم فقط (62) ، وذلك لأنهم لا يرون أن الرخص تتعدى.

والجواب عليهم في ذلك: أن عمومات أدلة القياس لا تفرق بين الأحكام، سواء سميت برخص أو غير ذلك، فمتى ما عقلت العلة وفهم المعنى جاز حينئذ التعدي والقياس (63) ، وهنا نص على العلة في ترك المبيت للعباس وأهل السقاية معه؛ وهي الحاجة إلى سقاية الحجيج، وإعداد الماء لهم، و أما الرخصة للرعاة في ترك المبيت فهي مبنية على حاجتهم إلى حفظ أموالهم، والقيام عليها، والمشقة في تركها، فمتى ما وجدت هذه العلل والمعاني في أحد فيصبح حينئذ من أهل الأعذار كما قرر ذلك جمع من الفقهاء، قال ابن دقيق العيد رحمه الله:"والأقرب اتباع المعنى" (64) -والله أعلم-.

قال ابن القيم رحمه الله:"وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد رخص لأهل السقاية وللرعاء في البيتوتة؛ فمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضًا لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء" (65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت