الصفحة 21 من 43

وقال الفَيْرُوزآبَادِي (1) : في (( سفر السعادة ) )في صفة وضوء رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ورمسح كرون حديثي ثابت نشده، يعني لم يثبتْ (2)

(1) قوله (( وقال الفَيْرُوزآبَادِي ) ): هو مؤلِّفُ (( القاموس في اللُّغَة ) )، و (( شرح مشارق الأنور ) )، و (( شرح صحيح البُخَارِيّ ) )، وغيرها، مجدُّ الدِّين مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوبَ الشِّيرَازي الفَيْرُوزآبَادِي، [و] احدٌ من المجدِّدين في علم اللُّغَة، على رأسِ القرن الثَّامنِ، المتوفَّي سنةِ (817 هـ) ، أَوْ سنة (818 هـ) . (التحفة) .

(2) قوله (( يعني لم يثبت إلى آخره ) ): اعلم أن صاحب (( القاموس ) )قد أَكثرَ في خاتمة (( سفر السَّعادة ) )بالحكمِ بعدم الثُّبوتِ على كثيرٍ من الأحاديثِ، واغترَ به كثيرٌ من جهلةِ زماننا، وجمعٌ من كملةِ عصرنا، فَحَكَمُوا على كثيرٍ من الأحاديثِ الثَّابتةٍ بكونها موضوعةً أَو ضعيفةً أَو غيرَ معتبرةٍ، ظنًَّا منهم أنَّ الأخذَ بـ (( سفر السعادة ) )سعادةٌ، وغيرُهُ ضلالةٌ؛ والذي أوقعهم في هذه الورطة الظلماء الغفلة عن أمرين:

أحدهما: أنَّ الحكمَ بعدم الثبوتِ أَو عدم الصِّحَةِ في عُرْفِ المحدِّثين لا يستلزمُ الضَّعفَ ولا الوضعَ، بل يشملُ الحَسَنَ لذاتِهِ، والحسَنَ لغيرِهِ، أَيضًا.

قال عَلِيّ القَارِي في (( تذكرة الموضوعات ) ): لا يلزمُ من عدمِ الثُّبوتِ وجودُ الوضعِ. انتهى.

وقال في موضع آخرٍ: لا يلزم من عدمِ صحتِهِ ثُبُوتُ وَضْعِهِ. انتهى.

وقال مُحَمَّد طاهر الفَتَّني في (( تذكرة الموضوعات ) ): قال السُّيُوطِيُّ في (( اللآلئ ) ): قال الزَّرْكَشِيُّ: بين قولنا: لم يصحَّ، وقولنا: موضوعٌ بونٌ كثيرٌ، فإنَّ الموضوعَ إثباتُ الكَذِبِ، وقولنا: لم يصحَّ لا يلزم منه إثبات العدم، وإنَّما هو إخبارٌ عن عدمِ الثُّبوت.

وقال أيضأً: لا يلزمُ منه أن يكون موضوعًا، فإنَّ الثَّابتَ يشملُ الصَّحيحَ، والضَّعيفُ دونه. انتهى.

وقال ابن عِرَاق في (( تنْزيه الشَّرِيعَة عَن الأحاديث الموضوعة ) )في الفصل الثَّاني من كتاب التَّوحيد: قال الزَّرْكَشِي في (( نكته على ابن الصَّلاح ) ): بين قولنا موضوعٌ، وقولنا: لم يصحّ بونٌ كثيرٌ، فإنَّ الأَوَّلَ: إثباتُ الكذبِ والاختلاقِ، والثَّاني: إخبارٌ عن عدمِ الثُّبُوتِ ولا يلزمُ منه إثباتُ العدم، وهذا يجئ في كُلِّ حديثٍ قال فيه ابن الجَوْزي: لا يصحُّ ونحوه. انتهى.

وقال الحافظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلانيّ في (( تخريج أحاديث الأذكار ) )المسمَّى بـ (( نتائج الأفكار ) ): ثَبَتَ عن أحمدَ بنِ حنيلٍ أَنَّهُ قال: لا أعلمُ في التَّسميةِ في الوضوء حديثًا ثابتًا.

قلت: لا يلزم من نفي العلم ثُبُوتُ العدمِ، وعلى التَّنْزُلِ لا يلزمُ من نفي الثُّبُوت ثبوت الضَّعف؛ لاحتمالِ أن يراد بالثُّبُوتِ الصِّحَّة فلا ينتفي الحُسْنُ، وعلى التَّنْزل لا يلزمُ من نفي الثُّبُوتِ عن كُلِّ فردٍ نفيهُ عن المجموعِ. انتهى.

وقال عَلِيّ القَارِيّ في (( تذكرة الموضوعات ) )تحت حديث: (( مَن طَافَ بِهَذَا البَيْتِ أُسْبُوعًَا ... الخ ) ):مع أن قولَ السَّخَاويّ لا يصحُّ، لا ينافي الضَّعفُ والحُسْنُ. انتهى.

وقال نور الدِّين عَلِيّ السَّمْهُودي في (( جواهر العقدين في فضل الشرفين ) ): قلت: لا يلزمُ من قول أحمدَ في حديثِ: (( التَّوْسِعَةُ عَلَى العِيَالِ يَوْمِ عَاشُورَاءِ ) )، لا يصحُّ أن يكون باطلًا، فقد يكون غيرُ صحيحٍ، وهو صالحٌ للاحتجاجِ به؛ إذ الحَسَن رتبتُهُ بين الصَّحيح والضَّعيف. انتهى.

وثانيهما: أنَّ من المحدِّثين مَن له إفراطٌ ومبالغةٌ في الحُكْمِ بوضع الأحاديثِ وبإبطالِها وبضعفِها، منهم: ابنُ الجَوْزي، وابن تَيْميَّة الحَنْبَلِيّ، والجُوزْقَانِي، والصَّغَانِي، وغيرهم.

قال السَّخَاوِيُّ في (( فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ) ): ربما أَدْرَجَ ابنُ الجَوْزي في الموضوعات الحَسَن والصَّحيحَ مِمَّا هو في أحد الصَّحيحينِ، فَضْلًا عن غيرِهما، وهو توسعٌ منكرٌ ينشأُ عنه غايةُ الضَّررِ مَن ظنِّ ما ليس بموضوعٍ موضوعًا ممَّا قد يقلِّدْهُ فيه تحسينًا للظَّنِّ به. انتهى.

وقال أيضًا: مِمَّن أفردَ بعد ابنِ الجَوْزي كراسته الرضى الصَّغَانيّ اللُّغوي، ذَكَرَ فيها الأحاديثَ من الشِّهابِ القُضَاعي والنَّجم للأقليشي وغيرِهما: كـ (( الأربعين ) )لابن ودعان، و (( فضائل العلماء ) )لمحمد بن سرور البَلَخي، و (( الوصية لعَلِيّ بنِ أَبِي طالبٍ ) )، و (( خطبة الوداع ) )، و (( أدآب النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ) )وأحاديث أَبِي الدنيا، ونسطور، ونعيم بن سالم، ونسخة سمعان عَن أنس وفيها الكثير أيضًا من الصحيح والحسن والضعيفِ بما فيه ضعفٌ يسيرٌ. انتهى.

وقال أيضًا: للجُوزْقانِي كتاب (( الأباطيل ) ): أكثر فيه من الحُكْمِ بالوضعِ بمجردِ مخالفة السُّنَّة، وقال شيخنا: وهو خطأٌ إِلا إن تعذر الجمعُ. انتهى.

وقال الحافظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلانيّ في (( لسان الميزان ) ) (6: 319) : طالعتُ ردَّ ابنِ تَيْميَّةَ على الحلي، فوجدتُهُ كثير التَّحاملِ في ردِّ الأحاديثِ التي يوردها ابنُ المطهر الحلي، وردَّ في ردِّهِ كثيرًا من الأحاديثِ الجيادِ، انتهى ملخصًا.

ومثله في (( الدُّرر الكامنة في أعيان المئة الثَّامنة ) )للحافظ ابن حجر: وقد صرِّحَ الشَّيْخُ عبدُ الحَقِّ الدِّهْلَوِيّ في (( شرح سفر السعادة ) ): أنَّ مؤلِّفَهُ قد قلَّدَ في خاتمتِهِ الجماعةَ المشدِّدة المفرطة، حيث قال ما معربَهُ: اعلم أنَّ الشَّيْخَ المُصَنِّفَ بالغَ كثيرًا في هذه الخاتمة، وقلَّدَ بعضَ المتوغلين فَحَكَمَ على بعضِ الأحاديثِ بعدمِ الصِّحَّةِ، وعلى بعضِها بعدمِ الثُّبوتِ، وعلى بعضِها بالوضعِ والافتراءِ، مع أنَّ منها أحاديثٌ مرويةٌ في كتبٍ معتبرةٍ ومقبولةٍ عند كبراء علماء الدِّين من الفقهاء والمحدِّثين. انتهى ملخصًا.

وحُكْمُ أقوالِ مثل هذه الطَّائفةِ المشدِّدة المتساهلةِ في باب حُكْمِ وَضْعِ الأحاديث وبطلانها وضعفِها، أن لا يبادرَ إلى قبولِها ولا يقطعَ بصدقِها ما لم يُوافِقْهُمْ غيرُهُم من نقادِّ المحدِّثين وكبارِ المنتقدينَ، فاحفظ هذا فَإِنَّه ينفعك في مواضعَ كثيرةٍ، وقد فصلتُ الكلامَ في هذا المرام في رسائلي الثَّلاثةِ في بحثِ زيارة القبر النَّبويَّة: (( الكلام المبرم في نقض القول المحقَّق المُحْكَم ) )، و (( الكلام المبرور في ردِّ القول المنصور ) )، و (( السعي المشكور في ردِّ المذهب المأَثور ) )، ألَّفتُها ردًَّا على رسائل مَن حجَّ ولم يزرْ القَبْرَ النّبَويّ، وأَفتى بحرمِتِهِ وعدمِ إباحتِهِ. (التحفة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت