أجمع النحويون والمفسِّرون -على اختلاف عباراتهم- على أنّه إذا تقدّم على ضميرِ الغائبِ اسمان، أو أكثر وكان كلٌّ منها صالحًا لتفسير الضمير, يكون الضميرُ للأقرب منها، إلاّ أن يَردَ دليلٌ يجعله لغيره، أو يكونَ الأقربُ مضافًا إليه [1] .
قال ابن مالك: (( إذا ذُكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدًا جُعل للأقرب, ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج ) ) [2] وقال: (( الأصل تقديم مفسِّر ضمير الغائب ولا يكون غيرَ الأقربِ إلاّ ... بدليل ) ) [3] . وقال الرازي: (( ولأنّ عود الضمير على أقرب مذكور واجب .... ) ) [4] . وقال الزركشي: (( الأصل في الضمير عوده إلى أقرب مذكور ) ) [5] . وقال السيوطي: (( الأصل عوده على أقرب مذكور ) ) [6] .
وهم بإطلاقهم هذه القاعدة, لا يجعلون الضميرَ للأقربِ أصلًا ثابتًا, وإنَّما يكونُ له ما لمْ يُوجد ما يقْتضِي العدول عنه إلى غيره.
ويكون ضمير الغائب عائدًا على أقرب مذكور في حالتين، هما:
إحداهما: أنْ يُرجَّحَ كونُه للأقرب إليه؛ لعدم دليلٍ يجعله للآخر, مع استوائهما في المعنى.
والأخرى: أنْ تكون هناك قرينة تجعلُ الضمير لأقرب المتنازعين فيه.
والضمير العائد على أقرب مذكور ينقسم على قسمين، هما:
القسم الأول:
ضمير تقدّم عليه اسمان صالحان للتفسير، واقتضتِ القرينةُ الاقتصارَ على أحدهما، وهو الأقرب. وهذا القسم على أربعة أنواعٍ:
النوع الأول:
ضمير تقدّم عليه اسمان صريحان غير متعاطفين، ولا متضايفين, كقولك: (من عمل الخير فله أجره) . فالأصل في هذا الضمير أن يكون عائدًا على أقرب مذكور وهو (الخير) إلاّ أنَّه قد
(1) - قال الصبان: (( وقال الدماميني:(وينبغي أن يكون المراد بالأقرب غير المضاف إليه أما إذا كان الأقرب مضافًا إليه فلا يكون الضمير له إلاّ بدليل) . ))حاشية الصبان على شرح الأشموني 1/ 187.
(2) - شرح التسهيل 1/ 153.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - التفسير الكبير م 3 ج 7/ 21.
(5) - البرهان في علوم القرآن 4/ 36.
(6) - الإتقان 1/ 187.