يرجّح كونه للأول إذا كان هناك دليلٌ يخرجه عن كونه للأقرب، وذلك أنْ تقول: (فله أجره على ما فعل) ، فيكون الضمير عائدًا على (من) المتقدِّم.
وقد يرد دليل لفظيّ أو معنوي يؤيّد كونَه للأقربِ. والدليل قد يكون واحدًا - أو أكثر- مّما يأتي:
1 -قد يدلُّ السِّياق على أنَّ الضمير للأقرب.
ومثال هذا في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48] .
فقد اختلف النحويون والمفسِّرون في ضمير المجرور في قوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا} و {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا} ، فكانت أقوالهم على النحو الآتي:
أ- قيل: إنَّ ضمير المجرور في قوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا} و {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا} عائد على أقرب مذكور وهو (النفس) الثانية. وهي النفس العاصية, والمعنى: أن هذه النفس لا تُقبل منها شفاعة في نفسها ولا تؤخذ منها فِدية. ويكون ذلك كقوله تعالى: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} الأنعام: 70] وقوله تعالى: {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} ... [آل عمران: 91] .
وهذا القول اختاره البغوي الذي قال: (( أي: لا تقبل منها شفاعةٌ إذا كانت كافرة ) ) [1] . واختاره الرازي [2] ، والطَّاهر بن عاشور [3] ، ورجّحه الزمخشري [4] , وأبو حيان [5] , والآلوسي الذي قال: (( لأنَّها أقربُ مذكور, ولموافقته لقوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} , ولأنّه المتبادَر من قوله: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا} . ) ) [6] .
(1) - معالم التنزيل 1/ 69.
(2) - ينظر: التفسير الكبير م 1 ج 3/ 495.
(3) - ينظر: التحرير والتنوير 1/ 485.
(4) - ينظر: الكشاف 1/ 137.
(5) - ينظر: البحر المحيط 1/ 348.
(6) - روح المعاني 1/ 252.