ب- وقيل: إنَّ الضمير عائد على النفسِ الأولى في قوله: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ} ؛ لأنها المحدَّث عنها, وإنَّما ذُكرتِ الثانيةُ فضلةً. وهذه النفس هي النفس المؤمنة, والمعنى: إنَّ هذه النفسَ لو شفعتْ في نفسٍ عاصيةٍ, أو حاولت فِداءها، لمْ تُقبل منها تلك الشفاعة, ولم تُؤخذ منها تلك الفدية.
وهذا الوجه أجازه الزمخشري الذي قال: (( ويجوز أن يرجعَ إلى النَّفْسِ الأولى على أنّها لو شفعت لها لم تُقبل شفاعتُها, كما لا تجزي عنها شيئًا ) ) [1] . وقال أبو حيان: (( وقد يظهر ترجيحُ عودِها إلى النفس الأولى؛ لأنها هي المحدَّث عنها في قوله {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ} والنفسُ الثانيةُ هي مذكورةٌ على سبيلِ الفضْلةِ لا العمدة ) ) [2] .
وقال الآلوسي: (( وإمّا إلى النفس الأولى؛ لأنها المحدَّث عنها ... وكأنه قيل: إنّ النفسَ الأولى لا تقدر على استخلاصِِ صاحبتِها من قضاءِ الواجباتِ وتداركِ التَّبِعاتِ؛ لأنَّها مشغولةٌ عنها بشأنِها, ثم إنْ قدرتْ على نَفْي ما كانَ بشفاعةٍ، لا يُقبل منها, وإن زادتْ عليه بأنْ ضّمتِ الفداءَ, فلا يُؤخذ مِنها, وإنْ حاولتِ الخلاصَ بالقهرِ والغَلبةِ - وأنّى لها ذلك؟ - فلا تتمكَّنُ منه ) ) [3] .
ج- وقيل: إنَّ الضمير في قوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا} عائدٌ على النَّفسِ الأولى, أي: إنَّ النفسَ المؤمنةَ لو شفعتْ في نفسٍ عاصيةٍ ما قُبلتْ شفاعتُها.
والضمير في قوله: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا} عائد على النفس الثانية, أي: إنَّ هذه النفس التي لم تُقبل فيها شفاعةٌٌ، لو حاولتْ أن تقدِّمَ فديًة، تفتدي بها نفْسَها، لم تُؤخذْ منها تلك الفديةُ.
وهذا القول اختاره الكواشي [4] , ووصفه السمين الحلبي [5] (بأنَّه مناسبٌ) وقال به الصّاوي [6] .
وجوّز أبو البقاء أنْ تكون شبه الجملةِ في قوله {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا} و {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا} متعلقة بـ (يُقبل) و (يُؤخذ) أو تكون صفةً لـ (شفاعة) , و (عدل) وقد انتصبتْ حالًا لتقدمها [7] .
(1) - الكشاف 1/ 137.
(2) - البحر المحيط 1/ 348.
(3) - روح المعاني 1/ 252.
(4) - ينظر: المصدر نفسه.
(5) - ينظر: الدر المصون 1/ 338.
(6) - ينظر: حاشية الصاوي على تفسير الجلالين 1/ 49.
(7) - ينظر: التبيان 1/ 60.