"-:"فاعلم أن هذا النفي العام للشرك -أن لا يشرك بالله شيئًا البتة- لا يصدر من مُصر على معصية أبدًا، ولا يمكن مدمن الكبيرة والمُصر على الصغيرة أن يصفو له التوحيد حتى لا يشرك بالله شيئًا، هذا من أعظم المحال ولا يلتفت إلى جدلي لا حظَّ له من أعمال القلوب، بل قلبه كالحجر أو أقسى يقول وما المانع؟ وما وجه الإحالة؟ ولو فرض ذلك واقعًا لم يلزم منه محال لذاته، فدع هذا القلب المفتون بجدله وجهله، واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله، ورجائه لغير الله، وحبه لغير الله، وذله لغير الله، وتوكله على غير الله، ما يصير به منغمسًا في بحار الشرك، والحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه إن كان له عقل، فإن ذُلَّ المعصية لابد أن يقوم بالقلب فيورثه خوفًا من غير الله وذلك شرك، ويورثه محبة لغير الله، واستعانة بغيره من الأسباب التي توصله إلى غرضه؛ فيكون عمله لا بالله ولا لله، وهذا حقيقة الشرك، نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل وعباد الأصنام، وهو توحيد الربوبية وهو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله، ولو أنجى هذا التوحيد وحده لأنجى عُبَّاد الأصنام، والشأن في توحيد الإلهية الذي هو الفارق بين المشركين والموحدين، والمقصود أن من لم يشرك بالله شيئًا يستحيل أن يلقى الله بقراب الأرض خطايا مصرًّا عليها غير تائب منها، مع كمال توحيده الذي هو غاية الحب والخضوع والذل والخوف والرجاء للرب تعالى" (44 ) ."