فقد أكل عمرو بن سلمة وهو غلام صغير في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وطاشت يده في الصحفة، وكانت هذه المشاركة فرصة ليعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أدبًا من آداب الطعام، وبقي هذا النص يستدل به المسلمون على مدى الزمان، فعنه - رضي الله عنه - قال: أكلت يومًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا فجعلت آكل من نواحي الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل مما يليك" (43 ) . وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال:"يا غلام، أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟"قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه إياه ( 44) ، والاستدلال بهذا النص لا يقف عند حدود حضور هذا الشاب مجلسه صلى الله عليه وسلم، بل كان عن يمينه وبجواره، ولم يعد أحد من الحاضرين ذلك من سوء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم. وكان من وصية عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده:"وجالس بهم أشراف الرجال وأهل العلم منهم، وجنِّبهم السفلة والخدم فإنهم أسوأ الناس أدبًا ...". ومما يعين على ذلك أيضًا تدارس آداب المجالس والتعرف عليها، والاعتناء بالمجالس التي يجلسها الطالب ولو مع زملائه وأقرانه؛ فتراعى فيها آداب المجالس ليكون ذلك سلوكًا وسمتًا لهم لا يحتاجون إلى تكلُّفه. وربما أدت الخلطة وزوال الكلفة بينهم إلى الإخلال ببعض هذه الآداب، فلا بد حينئذ من تصحيح ذلك، والتأكيد على أن الأدب لا ينبغي أن يتجاوز بحجة ذلك. 10 - التربية على الرجولة والخشونة والبعد عن الترف: إن من إفرازات الحضارة المعاصرة اليوم أن غدت بعض مجتمعات المسلمين تعاني من انتشار مظاهر الترف، مما ولَّد جيلًا من المترفين لا يطيق حياة العزيمة والجد، وهو جيل يبحث عن الراحة والكسل، ويتقاعس عن معالي الأمور.