المعاصرة، بل وصل هذا التأثير إلى الحالة النموذجية التي تتمثل في كلمة"عينين"حيث بقي (ما يشبه) المثنى حتى في اللهجات.
ويتفق المؤلف مع المنظرين الأوائل من غير أن يشاركهم في مقاصدهم المؤذية، في أن التطور الذي يتمثل في الابتعاد عن المثنى والصياغات التي تستعمله عموما تطور محكوم بعوامل اجتماعية منضبطة. (ص 156)
ويبدو مفهوم"التثنية"كأنه نوع لازم من عبقرية العربية بشكل يشبه تقريبا أصالة"قاعدة الثلاثة"التي كانت تميز أسلوب النثر الأوربي في العصور الوسطى.
ويحتج المؤلف بأن مقولة المثنى تستحق أن تدرس على قدم المساواة مع بعض الإجراءات البلاغية كالتضمين والتضاد بصفتها وسيلة جمالية من وسائل اللغة، وهذا ما يعرض له بتفصيل مع مقارنة باللغات الأوربية، وبذلك يتمكن المؤلف من حدس الترابط بين مقولات تنتمي إلى مستويات تبدو للوهلة الأولى متباينة، فمقولة التثنية تصنف ضمن المقولات العرضية، أما التضاد والتضمين فهما مقولتان معجميتان وأسلوبيتان، وبما أن الهدف العام الذي ينتظم في إطاره الكتاب هو قرن الشكل بالدلالة، فإن ذلك يسوغ ربط التثنية بمقولات أخرى.
تتصل عشوائية العلامة في اللغة العربية بالطبيعة الحوسبية المجردة لنظامها الصرافي. وهي خاصية توليدية تقوم على ضم جذور صامتة إلى مواد صائتية لاشتقاق، ليس فقط، العلامات اللغوية القائمة، بل، والممكنة أيضا.
ويسهم نظام كتابة العربية، بتغييبه النسبي أو الكلي للحركات، في التأكيد على الطبيعة العشوائية للعلامة اللغوية فيها، من حيث إن القارئ يدرك في الكلمة المكتوبة جملة من الكلمات المحتملة ولا يصل إلى المقصود إلا من خلال الاستعانة بالسياق. وينفي المؤلف أن تكون للأصوات العربية دلالات تؤديها على حد زعم البعض، إلا ما يكون من ترميز صوتي كواحد من العمليات العشوائية التي تسهم غالبا في صوغ الكلمات من نحو تكرار حرف الفاء في"حفيف"أو تكرار حرف الزاي في"أزيز"من دون أن تكون للفاء دلالة