ويجوز للدولة إزاء العناصر المعادية والأجنبية ما لا يجوز لها إزاء المواطنين والرعية. فالتجسس على الأعداء عمل مشروع - مطلقًا - وهو ضرورة من ضرورات الحرب، ندب رسول الله ص من يؤديه من صحابته الأجلاء، كحذيفة بن اليمان، ونعيم بن مسعود، وعبد الله بن أنيس، وخوات بن جبير، وعمرو بن أمية، وسالم بن عمير، وغيرهم. وبذا، فان المسلمين مكلفون باستطلاع أخبار العدو ومواطن ضعفه، ومواقع آلياته، وحركة جنده، ويعتبر ذلك كله جهادًا في سبيل الله، يجزى فاعله خيرًا: (ولا ينالونَ مِن عدو نيلًا إلاَّ كتبَ لهُم بهِ عملٌ صالح) .
التجسس غير المشروع فهو التجسس الساعي إلى فضح عورات الناس، وهتك أستارهم، أو المدفوع بالتشفي والحقد، أو النابع من حب الاستطلاع وحده. وقد جاء في الحديث الشريف:"إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم. ومنه التجسس للعدو ونقل أخبار المسلمين إليه، وحادث حاطب بن أبي بلتعة معروف، حيث أرسل خطابا إلى أهل مكة يخبرهم فيه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيغزوهم وأعطاه لامرأة لحق بها في الطريق فأخذه منها من أرسلهم الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك، وكان ضبطه في مكان يسمى"روضة خاخ"، ولمّا سئل حاطب عن ذلك لم يكذب وأقرّ بأنّه لم يفعله كفرًا ولا رِدةً، ولكن لمصلحة شخصية له، ولما أراد عمر بن الخطاب قتله قال له الرسول عليه الصلاة والسلام:"إنّه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". ونزل في ذلك أول سورة الممتحنة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقّ) . وجاء في بعض روايات الحادثة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بضرب عنق المرأة حاملة الكتاب إن لم تدفعه لهم."