وفي رواية ابن وهب عن الإمام مالك أن العالية بنت أنفع زوجة أبي إسحاق الهمداني الكوفي السبيعي أم يونس بن إسحاق قالت خرجت أنا وأم محبة إلى مكة فدخلنا على عائشة -رضي الله عنها- فسلمنا عليها فقالت لنا: ممن أنتن؟ قلنا من أهل الكوفة قالت: فكأنها أعرضت عنا فقالت لها أم محبة: يا أم المؤمنين كانت لي جارية وإني بعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه، وأنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقدًا. قالت: فأقبلت علينا فقالت: بئسما شريت وما اشتريت فأبلغي زيدًا أنه أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب، فقالت لها أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي قالت: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى"فله ما سلف (1) ."
ومن السلف من شدد في عقوبة الربا بوصف صاحبه محاربًا لله ولرسوله؛ فجعلهم بهرجًا (مستباحين) أينما ثقفوا (2) . أما ابن خويز منداد (3) فيرى أن أهل بلد لو اصطلحوا على الربا استحلالًا كانوا مرتدين، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالًا جاز للإمام محاربتهم، ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال: فأذنوا بحرب من الله ورسوله (4) .
وأما المعقول في تحريم الربا فإن الله سبحانه وتعالى لما خلق الإنسان على الأرض، وأمره بإعمارها شرع له الأحكام التي تحكم وجوده، ومن هذه الأحكام إقامة العدل، وتحريم الظلم، واستغلال الإنسان للإنسان، ولا شك أن الربا وسيلة مطلقة لاستغلال
الضعفاء، وظلمهم، حيث يوجد اليوم ملايين من البشر هم بمثابة الأرقاء عند دائنيهم، مما يتنافى مع ما شرعه الله للإنسان، فاقتضى هذا فساد الربا حكمًا وعقلًا لمنافاته لأحكام الله، وشرعه وحكمته في خلقه.