-وكما أن المال وسيلة وضرورة لحياة الإنسان، فإنه أيضًا وسيلة مهمة لحياة الأمة في عمومها، لأن الله -عز وجل- لما أراد من عباده إعمار الأرض أراد منهم أن يسعوا فيها لتوفير معاشهم في حياتهم، وقد عرف المسلمون الأُوَلُ المعنى الشرعي من المال بوصفه وسيلة للعدل والإحسان، ووسيلة للمواساة، ووسيلة لحماية الدين، ووسيلة للمصالح العمومية للأمة.
-حرم الإسلام كنز المال والتفاخر به أو الطغيان بسببه، ولهذا فإن مراد الإسلام منه يتنافى مع الربا في غايته، لأن هذه الغاية جمع المال وكنزه والعمل على زيادته. وقد دلت الوقائع المشهودة أن المرابين لا يضعون أموالهم إلا لأجل زيادتها بأخذهم زيادة على القروض المترتبة على المقترضين، الذين هم في غالبهم من الفقراء والضعفاء، وهو ما كان عليه العمل في الجاهلية مما حرمه الله في كتابه وعلى لسان رسوله محمد.
-أمّا الزيادة البنكية التي تدفعها البنوك في البلاد غير الإسلامية فيرى الإمام أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن جواز أخذ الدرهم بالدرهمين من الحربي في دار الحرب، ومذهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد على خلاف ذلك، وقال بخلافه أيضًا جمهور العلماء ومنهم الإمام الأوزاعي وإسحاق وأبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة.
-قلت: والأصل تحريم الربا بين المسلم والحربي وتحريمه كذلك في دار الحرب للأسباب التالية:
أولًا- أن الربا محرم في جميع الأديان السماوية بلا استثناء، والأصل في تحريمه في الإسلام الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
ثانيًا- ضعف المرجع في جواز الربا في دار الحرب، وكل ما ورد فيه حديث مكحول، وهذا الحديث مرسل، وفي المرسل ومدى حجيته وقبوله كلام طويل، وقال الفقهاء عن هذا الحديث إنه غريب ومجهول لم يرد في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به.