فهرس الكتاب
الوجه الخامس: أن الخبر المذكور في ذلك إنما هو في قضية صلح الحديبية حينما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على وضع الحرب عشر سنين واشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم: (أن من جاءه منهم رده إليهم) فقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بما سيجعل الله له من الفرج والمخرج فكان كما أخبر
وأيضًا لم يكن يسلمهم إليهم ولا يردهم إلا أن جاؤ في طلبه فإنه يخلي بينهم وبينه فإن قتل منهم لم ينكر عليه، ولم يقل قتلت الأبرياء، وإن جمع لهم وألب عليهم، وأخذ أموالهم، وقتل منهم لم يسمه إرهابيًا، ولا معتديًا، ولا مثيرًا للفتن، بل يكلمه بتعريض يفهم منه التأييد) ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد) فلم يلبث إلا يسيرًا حتى راسلوه في قبول التنازل عن هذا الشرط الذي اشترطوه لأنفسهم على أن يكف عنهم أولئك العصبة الذين انفردوا عنه في فتح جبهة لكيد العدو وجهاده، وعلى هذا نقلب لك ظهر المجن فنقول:
لو أن عصبة من المؤمنين خرجوا عن البلد الذي قد سيطر عليه هذا الوالي بحيث لا يشملهم حكمه وصاروا يتعرضون لأعداء الله ويغايظونهم بما يستطيعون من أخذ المال وقتل الرجال لحكم عليهم بعض المفتين بالافتيات والخروج عن الطاعة مع أنهم قد تركوا بلده الذي فيه سلطانه فلم يشملهم عهوده ومواثيقه التي عاهد عليها عدوه إن كان ؟؟.
قال ابن القيم في كلامه على فوائد صلح الحديبية: (زاد المعاد3/309) : (ومنها أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم سواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا والعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد كما أفتى شيخ الإسلام... الخ) .
والمقصود أن قبول النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الشرط كان عن علم بما سيجعل الله فيه من العاقبة الحسنة للإسلام والمسلمين كما هو صريح في رواية أنس المخرجة في صحيح مسلم.
ولذلك ذهب طائفة من أهل العلم إلى نسخ هذا الحكم وعدم العمل به كما أشار إليه الحافظ بن حجر في الفتح (مج5/433) ومنهم من أفهم التخصيص قال: (كان ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم) والمعجزة من الخصوصيات أشار إلى ذلك النووي في شرح مسلم وعلى القول بالعمل به فلا بد من استيفاء الشروط المفهومة البينة في الحديث وفي ملابسة القضية فمنها: