4)البيان رقم (15) (هيئة النصيحة والإصلاح) ، بتوقيع الشيخ أسامة بن لادن، بتاريخ 5/ 12/1415ه، موافق 6/ 5/1995م، وهو بعنوان:
العلماء ورثة الأنبياء
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد؛
فإن العلماء هم ورثة الأنبياء وحماة الدين الذين ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين وشأنهم شأن عظيم، ودورهم في الأمة دور كبير.
ونظرًا لمكانة ومنزلة العلماء في الإسلام، وأهمية الدور وعظم المهمة المكلفين بها، ووعيًا بخطورة الخلط في هذا المقام بين العلماء العاملين المرابطين على ثغور هذا الدين ممن لا تأخذهم في الله لومة لائم، وبين المنتسبين إلى العلم من الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، وضرورة التفريق بين الطائفتين، وعملًا على توضيح الحكم الشرعي في حدود طاعة واتباع وتعظيم العلماء، وتبيانًا للأسلوب الشرعي في بيان أخطائهم وزلاتهم، وسعيًا لإصلاح العلاقة بين العلماء وجموع العاملين للإسلام، ارتأينا تناول هذا الموضوع على النحو التالي:
أولًا: مكانة العلماء في الإسلام:
إن مما هو معلوم أن العلم الشرعي هو ميراث النبوة، وأن حملته العلماء هم ورثة الأنبياء، وبذلك نالوا ما نالوا من الفضل الذي وصفهم به الله ورسوله، فقد رفعهم الله درجات عظيمة على من سواهم، قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ، وثلث بشهادتهم بعد شهادته هو وملائكته على وحدانيته فقال {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} ونفى أن يستووا مع غيرهم فقال {قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون} .
وأثنى عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال في وصفهم: (فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ليلة البدر، العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر) [رواه أبو داود والترمذي والدارقطني] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) [رواه الترمذي] .
وهذه المكانة التي أعطاها الله ورسوله للعلماء عرفها سلف الأمة لهم، فقال الأوزاعي رحمه الله: (الناس عندنا أهل العلم ومن سواهم فلا شيء) ، وقال سفيان الثوري رحمه الله: (لو أن فقيهًا على رأس جبل لكان هو الجماعة) .
وهذه المنزلة العظيمة للعلماء في الإسلام نابعة من عظم الدور وأهمية المسؤولية الملقاة على كاهلهم بمقتضى ميثاق بيان الحق الذي أخذه الله عليهم وميراث النبوة الذي ورثوه، ومن هنا تأتي خطورة النيل منهم والتنقيص من قدرهم، لما في ذلك من الطعن في العلم الذي يحملونه، والحق الذي يدعون إليه الذي هو ميراث النبوة والطعن فيه طعن في الإسلام ذاته، كما أن الطعن في العلماء مقدمة لتحطيم مصداقيتهم، وإفراغ الأمة من القيادات الشرعية والموجهة، وما سيترتب على ذلك من تصدر الجهال وسيادتهم في الأمة وإفتائهم للناس بغير علم وضلالهم وإضلالهم بذلك.
ولهذا حذر أهل العلم من الطعن في العلماء شديد التحذير، قال ابن عساكر: (واعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وأن أحوال الله في هتك منتقصيهم معلومة، وأن من تكلم فيهم بالثلب، أصابه الله قبل موته بموت القلب) .
نعم ... تلك هي مكانة أهل العلم ومنزلتهم وذلك بعض من آثار النيل منهم وتنقيصهم، فمن هم أهل العلم هؤلاء؟
ثانيًا: الفرق بين علماء الحق وعلماء الباطل:
كل النصوص التي تتحدث عن العلماء وفضلهم، ومكانتهم ومنزلتهم، وتحذر من النيل منهم، تقصد فئة العلماء العاملين الناهضين بأعباء ميراث النبوة، الموفين بمقتضى الميثاق الذي أخذه الله عليهم بالجهر بالحق وبيانه، والصدع به وعدم كتمانه، فالعلماء بالمعنى الشرعي، كما قال الإمام الشافعي: (هم العلماء العاملون) .
وبقدر ما رفع الله من شأن هؤلاء حط وخفض من منزلة غيرهم من علماء السوء الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، وقص علينا في القرآن من شأن هؤلاء ما فيه عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فذكر في سورة الأعراف مثلًا لهؤلاء هو ذلك العالم الذي آتاه الله آياته وعلمه اسمه الأعظم - كما يقول المفسرون - لكنه لم يقم بحق العلم، بل أخلد إلى الأرض واتبع هواه وانغمس في شهواته، وبدلًا من أن يرشد قومه إلى سبل الخير دلهم على سبل الشر، فاستحق ما وصفه الله به في نهاية الآيات {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} .
وبغض النظر عن اسم هذا الرجل الذي قيل أنه (بلعام بن باعوراء) فإن الآية كما يقول القرطبي: (عامة في كل من تعلم القرآن ولم يعمل به، وألا يغتر أحد بعلمه ولا بعمله) .
وضرب الله مثلًا آخر بعلماء اليهود الذين لم يعملوا بمقتضى العلم الذي حملوه، فقال في شأنهم: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين} ، وقال في شأن علماء أهل الكتاب الذين استخدموا علمهم لأغراض دنيوية {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} ، وقال فيهم أيضًا: {إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} .
وصد علماء السوء عن سبيل الله يكون بأحد أمرين:
1)عدم عملهم بعلمهم، وهذا صد عملي للناس عن الحق لأن العامة يقتدون بالعلماء الذين يمثلون بالنسبة لهم القدوة الحسنة والأسوة المثلى.