الصفحة 18 من 43

2)تحريفهم لآيات الله واشتراءهم بها ثمنًا قليلًا، وهذا صد علمي بتحريف الكلم عن مواضعه، وتأويل الأحكام اتباعًا للهوى، وتجميع الرخص، والمداهنة في دين الله تبارك وتعالى، ومع ما قصه الله من خطورة شأن هذه الفئة من علماء السوء على دين الله تبارك وتعالى، فإن مختلف العصور التاريخية تؤكد وتعضد هذه الحقيقة، ولسنا بحاجة للتنقيب في أسفار التاريخ البعيد، ففي الماضي القريب والحاضر المشاهد أمثلة حية تغني عن ذلك ومنها:

المثال الأول: عندما تبنى الهالك جمال عبد الناصر الملة الاشتراكية، والزم الناس بها بقوة الحديد والنار، وبدلًا من أن يقف الأزهر وعلماؤه - المعروفة مواقفهم التاريخية لنصرة الإسلام والدفاع عنه - في وجه هذا الطاغية وملته الخارجة عن الإسلام، قام شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت بالترويج لهذا المذهب الهدام، والدعاية له باسم الإسلام من خلال برنامجه الإذاعي اليومي"الاشتراكية والحياة"فضل بسبب ذلك كثير من المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

المثال الثاني: وعندما قرر نفس الطاغية إعدام نخبة من خيرة رجال ودعاة مصر في ذلك الوقت 1954 وهم عبد القادر عودة وإخوانه استصدر فتوى من الأزهر بذلك فجاءته جاهزة تقول: إن هؤلاء كفار لا تقبل توبتهم! وقد جاء الطاغية عبد الناصر بهذا المفتي بعد أن رفض الشيخ محمد خضر حسين أن يفتيه بتلك الفتوى التي ما هي إلا مثال لفتاوى تصدر اليوم داخل الجزيرة وتعرض وتصرح أحيانًا بأئمة الدعوة وعلمائها من أمثال الشيخ سلمان وسفر ... وغيرهم.

إن مثل هذه المواقف من هذه الفئة من علماء السوء هي التي شجعت أهل الباطل على باطلهم، وخذلت أهل الحق عن حقهم، وطعنت في دين الله وميعت عقيدة التوحيد والولاء والبراء، وعملت على انتشار مذاهب الضلال وعقائد الإلحاد، كل ذلك مقابل ثمن بخس دراهم معدودة باع بها هؤلاء دنياهم وآخرتهم بدنيا غيرهم ولا حول ولا قوة إلا بالله!

لقد صدق على بن أبي طالب رضي الله عنه عندما قال: (قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك) .

إن فساد الدين أساسه فساد فئتين من الناس هم العلماء والحكام كما قال ابن المبارك رحمه الله:

وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها

وفساد الحكام سببه فساد العلماء، وفساد العلماء سببه الإخلاد إلى الأرض وحب المال والجاه، يقول أبو حامد الغزالي واصفًا حال علماء عصره بعد أن ذكر من مواقف علماء السلف وتضحيتهم في سبيل الحق وعدم اكتراثهم ببأس السلاطين، (وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم، فلم ينجحوا ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا، ففساد الرعايا بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا فلم يقدر على الحسبة على الأراذل، فكيف على الملوك والأكابر، والله المستعان على كل حال) [إحياء علوم الدين ج7/ 92] .

إن ما سبق من النصوص والنقول يبين بكل جلاء أن الوقوف لهذه الفئة من علماء السوء بالمرصاد لكشف باطلهم وتعرية ضلالهم وفضح مخططاتهم، يأتي في مقدمة أولويات العمل للإسلام والدفاع عنه والسعي في التمكين له، وما وقوف علماء الإسلام ضد علماء البدع والضلال والأهواء ومناظرتهم لهم وردهم عليهم إلا أمثلة للقيام بهذا الواجب، ومن المواقف المشهورة في هذا المقام مواقف الإمام أحمد ضد المعتزلة ومواقف ابن تيمية من الفرق الضالة، وموقف الشيخ الخضر حسين شيخ الأزهر رحمه الله ضد مبادئ الاشتراكية العلمانية وطغاة مصر في عهده.

إن الرد على هذه الفئة من علماء السوء باب مستقل عن الرد على أخطاء العلماء الحقيقيين، لأن علماء السوء من جنس أعداء الدين، وليسوا داخلين في مسمى أهل العلم بالمعنى الشرعي الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الذي لا يهابون في الحق سلطانًا جائرًا ولا حاكمًا كافرًا، وهذا التفريق بين الفئتين ضروري قبل أن ندخل في فقرة أحكام وحدود طاعة واتباع وتعظيم العلماء في الإسلام وذلك حتى لا يحصل اللبس أو الخلط.

ثالثًا: حدود طاعة العلماء وتعظيمهم في الإسلام:

لا شك أن اتباع العلماء فيما يبينون من حق ويدعون إليه من خير واجب على المسلمين، يقول تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وقد سبق أن بينا أن طاعة الله ورسوله تقتضي طاعة العلماء لأنهم ورثة الأنبياء، وطاعة أولي الأمر يدخل فيها طاعة العلماء أيضًا لأن المفسرين فسروا أولي الأمر بأنهم العلماء أو العلماء والأمراء، قال تبارك وتعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} .

والنصوص في هذا الباب كثيرة نكتفي بذكر ما ذكرناه منها لنبني عليه حدود الطاعة والاتباع للعلماء، وذلك أن كثيرًا من الناس يخطئ فيظن أن طاعة العلماء مطلقة عمياء لا حدود لها، وهذا خطأ فاحش، لأن العلماء ليسوا معصومين فهم عرضة للخطأ ومجانبة الصواب، كما قال الإمام مالك: (كل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر) ، يعني الرسول صلى الله عليه وسلم، والعلماء وإن كانوا معذورين فيما يصدر منهم من أخطاء بعد تحريهم للصواب، فإن الناس غير معذورين في تقليدهم المطلق دون تحر للصواب.

ولهذا قال ابن مسعود: (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر) ، وقال الإمام أحمد: (من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال) .

ولقطع الطريق على التقليد الأعمى للعالم حذر الشرع من التعظيم الزائد للعلماء، فقص في القرآن أن من أسباب كفر أهل الكتاب مبالغتهم في تعظيمهم علمائهم حتى أصبحوا يصدرون عن أقوالهم في التحليل والتحريم من دون الله، قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} ، وهذا الاتخاذ كما فسره حديث عدي الذي رواه الترمذي وأحمد وغيرهما، كان بطاعتهم إياهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، وقد حذر علماء المسلمين من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب فصنفوا في ذلك وألفوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت