وممن بوب على هذا الموضوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد حيث قال: (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم فقد أتخذهم أربابًا) . اهـ
إن طاعة العلماء واتباعهم مربوطة بقدر التزامه بالحق ودفاعهم عنه، وبقدر ميلهم عن الحق ومجانبتهم إياه يكون البراء منهم والعداوة لهم، فذلك هو الميزان الشرعي الصحيح الذي دلت عليه النصوص وتواتر به عمل سلف هذه الأمة الصالح، والولاء المطلق لهم فيما هم عليه من الحق والباطل هو إخلال بمقتضى الإيمان الذي أوثق عراه الحب في الله والبغض فيه.
ولما كان العلماء ليسوا معصومين وتصدر منهم الأخطاء، كان لابد من بيان الأسلوب الشرعي في بيان تلك الأخطاء وهو موضوع الفقرة الرابعة.
رابعًا: الأسلوب الشرعي في بيان أخطاء العلماء:
تختلف أسباب أخطاء العلماء كما تتفاوت آثار هذه الأخطاء، وتبعًا لذلك تتحدد طريقة الرد وأسلوب البيان المناسبين لتلك الأخطاء، فإذا كان الخطأ في مسألة جزئية غاب فيها الدليل أو خفي أو تعارضت الأدلة وتحري فيها الصواب يكون المناسب التنبيه إلى الصواب برفق ولطف دون تشنيع ولا تقريع.
وإذا كان الخطأ في جليات الدين وقطعيات الشريعة والمسائل التي في حكمها مما انتصبت عليه الأدلة وشهدت له البراهين، فإن الشدة على المخالف والقسوة في القول له مطلوبة، للتنفير من قوله والتحذير منه، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر لما عير بلالًا بأمه (إنك امرؤ فيك جاهلية) [رواه البخاري] .
وقال للرهط الذي أفتوا صاحبهم بالاغتسال وحكمه التيمم فمات (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال) [رواه أبو داود وابن ماجة وابن حنبل] .
وقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: (أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟!) .
وقال ابن عباس لمن خالفوا حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم محتجين بفعل أبي بكر وعمر: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر) [رواه الإمام أحمد في مسنده] .
ولم يزل هذا دأب أهل العلم يشتدون في الرد على المخالف ويقسون في مثل هذه الأمور والنقول في ذلك كثيرة، منها ما نقل من أن الإمام أحمد رحمه الله رفض أن يرد السلام على الإمام يحيي بن معين رحمه الله لما جاء يزوره في مرض موته، بسبب قول الإمام يحيي بن معين ببعض قول المعتزلة تحت إكراه العباسيين متأولًا، ولما استدل له يحيي بحديث عمار في الإكراه علىكلمة الكفر ما قبل منه الإمام أحمد ذلك وقال بعد أن خرج من عنده"يستدل بحديث عمار"، ومنها ما نقل عن ابن تيمية - مع اعتداله وإنصافه لمخالفيه - من ردود شديدة عليهم إذا كان الخلاف في مثل هذه الأمور، فقد قال فيمن يرى أن التتار يقاتلون قتال البغاة لا قتال الكفار: (إنه قد أخطأ خطأً قبيحًا وضل ضلالًا بعيدًا) .
وقال ابن الجزري رحمه الله معلقًا على قول الإمام أبي شامة بعدم تواتر القراءات السبع: (انظر يا أخي إلى هذا الكلام الساقط الذي خرج من غير تأمل، المتناقض في غير موضع في هذه الكلمات اليسيرة، أوقفت عليه شيخنا الإمام ولي الله أبا محمد بن محمد بن محمد الجمالي فقال ينبغي أن يعدم هذا الكتاب، كتاب أبي شامة) ... قلت: (ونحن نشهد الله أنا لا نريد إسقاط الإمام أبي شامة إذ الجواد قد يعثر ولا نجهل قدره بل الحق أحق أن يتبع، ولكن نقصد التنبيه على هذه الزلة المزلة ليحذر منها من لا معرفة له بأقوال الناس ولا اطلاع له على أحوال الأئمة) اهـ [عن كتاب منجد المقرئين ومرشد الطالبين ص62] .
ويقول الإمام النووي إن منهجه في المجموع يقتضي المبالغة في تغليط صاحب القول الضعيف والزائف: (ولو كان من الأكابر وإنما أقصد بذلك التحذير على الاغترار به) .
هذه نقول مستفيضة من الأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة والعلماء تبين مشروعية الشدة على المخالفين في هذه الأمور كائنًا من كان فالحق أحق أن يتبع وزلة العالم ليست من الحق في شيء.
يقول الشاطبي رحمه الله: (إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدًا له وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدت زلة وإلا لو كانت معتدًا بها لم يجعل لها هذه الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها) . اهـ [الموافقات للشاطبي ص170 - 171] .
والرفق في بيان الخطأ والزلة قد يكون مطلوبًا في حالات كما أن الشدة مطلوبة في حالات أخرى، والحكمة هي استعمال الأسلوب المناسب في الحال المناسب ولكل مقام مقال.
إن النصوص السابقة قد دلت على مشروعية الرد بشدة وقوة على المخالف في مثل تلك المواضيع بعد تحريه للصواب وبحثه عن الحق، وهي تدل من باب أولى على مشروعية ذلك في حق أولئك الذين لم يتحروا الصواب بل جانبوه عن عمد وخالفوه عن قصد بعد أن تبين وبين لهم، وسخروا علمهم وعملهم لخدمة السلاطين الذين بارزوا الله بالحرب وكاشفوه بالعداء.
فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال في حق أولئك الذي أفتوا صاحبهم بالاغتسال عن جهل فمات (قتلوه قتلهم الله) ، فماذا ينبغي أن يقال في حق من يفتون فتاوى يترتب عليها قتل الألوف، بل ضياع أمة بأجمعها؟ وبماذا يرد عليهم وهم يبيحون بلاد الحرمين والقدس وفلسطين لأعداء الله تبارك وتعالى؟ وما القول المناسب في حقهم وهم يقرون ولاية المرتدين الذين يتحالفون مع اليهود لحرب المجاهدين في فلسطين وغيرها؟! بل ماذا ينبغي أن يقال في حقهم وقد تواطؤا مع حكام السوء على وأد كلمة الحق والوقوف في وجه من جهر بها ودعا إليها ممن نحسبهم من العلماء الصادقين والدعاة والمصلحين، وساهموا فيما يعانيه هؤلاء من سجن واعتقال ومحاصرة وتضييق؟!
إن أصحاب هذه المواقف والفتاوى ممن رضوا بأن تتترس بهم الأنظمة الظالمة وتدافع بهم عن أوضاعها الفاسدة، أصروا على الوقوف معها في خندق واحد، ليس لهم ولا لغيرهم أن يجدوا في أنفسهم إذا أصابهم جزء مما يقتضيه الواجب الشرعي من تعرية باطل تلك الأنظمة والعمل على رفع ظلمها عن العباد.