الصفحة 20 من 43

ولا ينفع هؤلاء ما قد يفترضه بعض الناس من أن الأنظمة الحاكمة هي التي استغفلتهم ولبست عليهم، حتى تستصدر منهم تلك الفتاوى والمواقف، فإن هذا الافتراض - لو صح - لا يغير من الآثار الخطيرة والمفاسد الكبيرة المترتبة على تلك الفتاوى والمواقف، مما يعني بقاء الحكم الشرعي بالعمل على إزالتها، وغاية ما في الأمر أن يكون هؤلاء معذورين في أخطائهم عند الله، مع وجوب الإنكار عليهم، وهذا على افتراض حسن الظن بهم، وهو ما لايسوغ في حق كثير ممن مردوا على مواقفهم وفتاواهم تلك عن عمد وقصد بعد بيان الحق لهم، وقيام الحجة عليهم واتضاح الدليل ضدهم، وحتى لو سلم أنهم استغفلوا فهذا دليل على فقدهم أحد شروط الإفتاء، وهو العلم بالواقع، وإقدامهم على الإفتاء مع فقدهم هذا الشرط، لا يجوز شرعًا، ويجب إنكاره عليهم.

إن مواقف هذه الفئة من العلماء وفتاواهم التي خذلوا بها الحق ونصروا الباطل وخانوا أمانة العلم وميراث النبوة هي التي دفعت كثيرًا من أهل الحق إلى سحب الثقة منهم، وقطع الأمل فيهم وكان ذلك من أهم أسباب سوء العلاقة بين كثير ممن يصنفون في خانة العلماء من جهة، وكثير من العاملين للإسلام من جهة أخرى.

والسبيل لحل هذه المشكلة هو موضوع الفقرة التالية ...

خامسًا: الطريق الصحيح لإصلاح هذا الوضع:

لتجاوز مرحلة الخصام القائمة بين هؤلاء لابد من مراعاة الأمور التالية، وهي أمور نبه على معظمها فضيلة الشيخ الدكتور ناصر العمر - فرج الله عنه وعن إخوانه - في رسالته"لحوم العلماء مسمومة"حيث بين واجب العلماء وملخصه فيما يلي، مع إضافات وتعديلات طفيفة أخرى، وبعض التعديل وهذه الواجبات هي:

1)أن يكون العالم قدوة في علمه وعمله، والله تبارك وتعالى يقول: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} ، ويقول: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} .

2)أن يتثبت العالم في الفتوى ويكمل شروطها، فإذا طلبت منه فتوى في موضوع ما فعليه التأمل والتأني ومعرفة قصد المستفتي والآثار المترتبة على تلك الفتوى، ثم يفتي بعد توفر شروط الفتوى من فقه الشرع وفقه الواقع.

3)أن يحذر العالم من الاستدراج والاستغلال والتدليس عليه خاصة من قبل حكام الظلم وسلاطين الفساد الذين بارزوا الله بالحرب والعدوان.

4)أن يكون جريئًا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، فالجرأة في الحق من أهم ما يميز العالم الصادق الذي هو القدوة الحسنة والأسوة المثلى لغيره، فعليه أن يقول للمسيء أسأت كائنًا من كان، وللعالم اليوم في مواقع علماء السلف قدوة حسنة يحتذي بها، كموقف سعيد بن المسيب والإمام مالك والإمام أحمد والعز بن عبد السلام وابن تيمية وغيرهم رحمهم الله جميعًا.

5)الابتعاد عن مواقف الريب وخاصة أبواب السلاطين التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة وخلفها الصالح، فقد قال صلى الله عليه وسلم في التحذير من السلاطين: (ومن أتى أبواب السلاطين افتتن، وما ازداد عبد من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدا) [رواه أحمد في المسند، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح] .

وقال حذيفة رضي الله عنه: (إذا رأيتم العالم بباب السلطان فاتهموا دينه، فإنهم لا يأخذون من دنياهم شيئًا أخذوا من دينهم ضعفه) ، وإذا قام العلماء بذلك وجب في حقهم من التعظيم والتقدير والاحترام لازم ما بيناه في بداية هذا البيان، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) [رواه أحمد والحاكم] ، وبذلك يتبوأ العلماء مكانتهم اللائقة بهم في توجيه الأمة وقيادتها إلى سبيل الخير ومسالك الرشاد.

وفي الختام:

لا يسعنا إلا أن نشيد بتلك المواقف الصادقة الشجاعة في الحق التي وقفها نخبة من العلماء الذين نحسبهم صادقين ولا نزكيهم على الله، من أمثال الشيخ سلمان العودة والشيخ سفر الحوالي ... وغيرهم من العلماء العاملين داخل الجزيرة وخارجها، تلك المواقف التي رفعت جبين الحق عاليًا ورأس الأمة شامخًا ومرغت كبرياء الظلم، أثبتت أن على صخرة الحق وصلابة الإيمان تتفتت كل وسائل الإغراء والإغواء وتنهزم آلة البطش وتنكسر حربة الطغيان والعدوان، فنسأل الله أن يفرج كربهم ويفرغ علينا وعليهم صبرًا ويثبت أقدامنا وأقدامهم.

{وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصباهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} ، {ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين} .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

عنهم؛ أسامة بن محمد بن لادن

التاريخ 5/ 12/1415 هـ

الموافق 6/ 5/1995م.

اهـ.

ملخص ما جاء فيه من أفكار رئيسية حسب بيان الشيخ:

1)نقل بعض النصوص والآثار منبها على مكانة العلماء في الإسلام ودورهم وقدسيتهم.

2)لفت النظر إلى أن تلك النصوص منصرفة للعلماء العاملين بالحق الجاهرين به.

3)لفت النظر إلى أن الشرع بقدر ما رفع علماء الحق، قد خفض وحط منزلة علماء السوء، ونقل بعض الشواهد والآثار.

4)ذكر أن صد علماء السوء عن الحق يكون بطريقين:

أ) عدم العمل بالعلم.

ب) تحريف آيات الله للرخص والمداهنة.

5)ذكر نماذج من علماء السوء، وضربه المثل بشيوخ الأزهر الذين أفتوا بقتل دعاة الإسلام، والقول بأن مثل هذه الفتاوى بحرب الدعاة يصدرها اليوم علماء السوء في الجزيرة. وأنها على حد قوله (خذلت الحق وأهله وطعنت في دين الله وميعت عقيدة التوحيد والولاء والبراء وعملت على انتشار مذاهب الضلال وعقائد الإلحاد كل ذلك مقابل ثمن عيش ... ) .

6)ذكر أن فساد الملوك سببه فساد العلماء.

7)قول ابن لادن: (أن الوقوف لعلماء السوء اليوم بالمرصاد يأتي في مقدمة أولويات العمل للإسلام والدفاع عنه والسعي في التمكين له) وضرب أمثلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت