الصفحة 172 من 188

النزاع فيه إلى نزاع في الألفاظ والأسماء ولهذا يُسمّي الكلام في مسائلهم (باب الأسماء) ، وهذا من نزاع الفقهاء لكن يتعلق بأصل الدين فكان المنازع فيه مبتدعًا) [1] انتهى.

فإذا كانت بدعة هؤلاء المتأخرين تتوقف عند مسمّى الإيمان والكفر، أي في الألفاظ والأسماء .. فيجوز لنا أنْ نُشبههم بالمرجئة الأوائل .. ونبدّعهم ونضللهم، لأنَّ كلامهم كما قال شيخ الإسلام في أصل الدين، ولا نُكفّرهم ما لم يُرتبوا على إرجائهم هذا تولّي الطاغوت ونصرته وبيعته أو نصرة تشريعه أو مشاركته في التشريع أو نحوه من أسباب التكفير الظاهرة.

والمتأمّل في أحوال المرجئة الأوائل يتيقن من صحة كلام شيخ الإسلام هذا، فإنَّ فصلهم العمل عن الإيمان إنِّما كان في التعريف فقط ..

فالمتتبّع لتراجمهم يعجب عندما يرى أنَّ من كبار رؤوس المرجئة ودعاتهم من اشتهر بالعبادة والزهد والعمل .. بل وإنكار المنكر ... ونحوه.

-فهذا محمد بن كرام السجستاني الذي تُنسب إليه المرجئة الكرامية، وكان يقول الإيمان قول بلا عمل .. يصفه أهل التاريخ بقولهم: (أبو عبد الله السجستاني العابد) [2] .

-وهذا سالم بن سالم أبو بحر البلخي، يقول ابن كثير عنه: (كان داعية للإرجاء .. إلاّ أنَّه كان رأسًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان عابدًا زاهدًا مكث أربعين سنة لم يفرش له فراش، وصامها كلها إلاّ يومي العيد [3] ، قدم بغداد فأنكر على الرشيد وشنّع عليه فحبسه وقيّده باثني عشر قيدًا، فلم يزل أبو معاوية يشفع فيه حتى جعلوه في أربعة قيود ... ) [4] انتهى.

-وأبو معاوية الذي شفع فيه هو أبو معاوية الضرير محمد بن خازم بن بزيع، كان أيضًا من دعاة الإرجاء وقد كان عابدًا.

(1) مجموع الفتاوى: (12/ 485 - 486)

(2) انظر البداية والنهاية: (11/ 20) .

(3) وهذا من المبالغات، وهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومحل الشاهد منه أنَّ إرجاءهم لم يكن في ترك الأعمال وإنّما في التعريفات والأسماء فقط.

(4) البداية والنهاية: (10/ 225) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت