الصفحة 175 من 188

وقال الذهبي وهو يتكلم عن آثار عقيدة المرجئة: (جسَّروا كل فاسقٍ وقاطع طريق على الموبقات، نعوذ بالله من الخذلان.) أهـ. سير أعلام النبلاء (9/ 436) .

أقول: فليس غريبًا أنْ يَؤول حال المرجئة إذًا، في هذه الأزمنة المتأخرة إلى هذا الحال المزري؛ من الترقيع للطواغيت وتهوين الردّة بوصفها (كفر دون كفر) ، وتسمية من كفّر أهلها بالخوارج والتكفيريين، ومن ثم شنّ الغارة عليهم وعلى دعواتهم وجهادهم.!!

ولذلك كلّه ميّزنا هؤلاء الخوالف عن المرجئة الأوائل وقيّدنا وصفهم، (بمرجئة العصر) تمييزًا لهم، كي لا نظلم أولئك بنسبة هؤلاء إليهم، أو خشية من أن نوهم مساوتهم بهم بمقايستهم عليهم؛ إذ أكثر هؤلاء الخوالف ولا أقول كلهم ـ أشبه بمرجئة الجهمية، أو غلاة المرجئة؛ منهم بمرجئة الفقهاء، خصوصًا في باب قصرهم الكفر بكافة أنواعه على التكذيب والجحود القلبي، أو تقييدهم له بذلك.

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا كان التكلم بالكفر من غير إكراه كفرًا في نفس الأمر عند الجماعة وأئمّة الفقهاء حتى المرجئة خلافًا للجهمية ومن اتبعهم) [1] .

* ثانيًا: اعلم أنَّ السلف قد فرّقوا بين عموم أهل البدع وبين الدعاة إلى البدع ... ونحن كذلك نُفرّق بين صبيان أهل التجهم والإرجاء ومقلدتهم وأتباعهم، وبين رؤوسهم ومشايخهم ودعاتهم الذين يُقيمون الشبه الباطلة لتسويغ الباطل والتهوين من أمر الكفر البواح والشرك الصراح، والردّة الظاهرة، خصوصًا منهم الذين يتعمدون التدليس والتلبيس، وبتر كلام العلماء لنصرة بدعتهم وترويج ضلالتهم! فهؤلاء من رؤوس الضلالة، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الله لا يقبضُ العِلمَ

(1) عن رسالة (العقيدة الأصفهانية) صفحة (124) ضمن مجموعة فتاوى ابن تيمية - طبعة دار الكتب العلمية ج5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت